ذل الدوران في فلك الحكام
لطالما كان القرار السياسي منذ القدم ولا زال، يمرَّر عبر خطبة الخطيب، وفتوى المفتي، ورأي المفكر، وقلم الكاتب، وخبر الصحفي، وصورة المصور... مستعملا كل المنابر قديمها وحديثها، لإضفاء المشروعية أو التأثير في العامة وتوجيهها.
كثيرا ماتكون هذه الجوقة، إحدى أدوات هذا النظام السياسي أو ذاك، تدور في فلكه، وتقتات من فتاته، ومن النادر جدا أن يكون رأي أو قول ما حرا، وصاحبه مستقلا، فهو بالضرورة إن لم يخدم زيدا سيخدم عمروا، إلا ما ندر.
تتعدد الآراء والأقوال المختلفة والمتضادة، وتتنوع وجهات النظر والتفسيرات والتأويلات والتحليلات والمدارس والمذاهب، حد التضارب. وكل هذا لا بأس به ولامشكلة فيه، لايضر أن تكون في المجتمع توجهات متضادة، وآراء مختلفة، وأقوال متعارضة، وتوجهات متصارعة، ومن الممتع جدا أن تقرأ وتطلع عليها، وتتأمل منطلقاتها ومخرجاتها، وكيف تفكر عقول البشر وكيف تشتغل، وتتمرن على النظر للأمور من زوايا متعددة، فلربما في وقت من الأوقات، تتفهم رأي مخالفك، ووجهة نظر خصمك، وتكتشف من جديد أقوالا كنت تحاربها، عن سوء فهم أو انسداد أفق، خلاصة القول لا ضرر في تعدد الآراء، واختلاف الأقوال.
إن الضرر ينشأ عندما يدخل السياسي على الخط، فيطوع هذا الرأي لخدمة قراره، ويستخدم ذلك القول لتمرير مشروعه، والأدهى من هذا وذاك، حين يملي السياسي على المثقف ماينبغي قوله، فيصبح هذا المثقف مجرد بوق، تمر من خلاله أصوات الآخرين.
حين يفعل ذلك، المفكر أو الفقيه أو المفتي أو الصحافي أو الكاتب... فإنه يفقد صفته التي اكتسبها من عمله أو تخصصه، ويفقد سلطته التي منحها له المجتمع. يفقد هويته وشخصيته ويصبح قناة أو أداة من تلك الأدوات التي تستعملها السلطة، يصبح هراوة للقمع أو صافرة للتحذير أو بوقا لإيصال الصوت لأبعد مدى أو شِصَّاً للصيد، حذاءً قلما ممحاة.... لايعود له وجود في عالم البشر، وينتقل لعالم الأدوات والأشياء، ويأخذ مكانه في صندوق أشياء السلطة.
حين يتحول إلي أداة، يصبح من الصعب عليه التعبير عن رأي مستقل، فالأدوات لايمكنها أن تُعبِّر.
يبدأ الأمر من جهة السلطة، بإيحاءات بسيطة، ثم طلبات مؤدبة، ثم توجيهات ممنهجة، ثم أوامر صارمة، ثم أوامر مُذِلَّة، يصبح معها مُنتِج الرأي مجرد عبد عليه أن يطيع، وسيجتهد من تلقاء نفسه في رسم حدوده وخريطة عمله، حتى دون أن تكون هناك أوامر أو توجيهات، وستدفعه عبوديته التي سيطبع معها، إلى الاجتهاد في إنتاج مايتوافق مع رغبات وأهواء السلطة وتوقُّع طلباتها، بل سيبهرها بقدراته وسرعة استجابته، كأنه آلة تمت برمجتها، فتأتي مخرجاتها حتمية بناء على الأوامر التي تم إدخالها وتخزينها. في النهاية الآلة شيء أيضا، وصاحبنا مهما تطور وترقى واجتهد ونجح في عالم الأشياء، سيبقى شيئا.
ربما شيئا ذكيا أو شيئا سريعا أو شيئا خطيرا... لكنه شيء.
إن هذا نفسه ما يحدث مع الكثير من الشيوخ والدعاة والكتاب... الدائرين في فلك الإمارات، ممن راحو يتعسفون في تبرير كل خطواتها، وتمرير كل مشاريعها، حتى أصبح ما يقوله هذا الشيء أو ذاك، لا علاقة له تماما بما كان يقوله قبل فترة ليست بالطويلة.
لا أعارض تغير الأفكار والقناعات، ولاتناقض الشخص مع نفسه، أو تبنيه لما كان ينكره.... هذا من الأمور التي أحترم عليها صاحبها، والتي تدل على تجرده وبحثه الدؤوب والدائم، حتى إن أخطأ اليوم فسيصيب الصواب غدا.
لكنني أعارض أن يتحول الإنسان إلى شيء، وهو لن يتحول إلى شيء، إلا بالدوران في فلك الحاكم، دورانا يحوله من إنسان إلى أداة، عبر عمليات تطويع وإذلال.
لا يتعلق الأمر بالدائرين في فلك الإمارات وحدهم، فكم من المعارضين الذين اختاروا دولا إسلامية أخرى للجوئهم، أصبحوا أبواقا للأنظمة التي احتضنتهم.
صحيح ترتفع أصواتهم في المنابر مُنحوا إياها، ويسيل مداد أقلامهم وديانا وأنهارا، لانتقاد الظلم في بلد معين، أو معارضة سياسة نظام معين، لكنهم لايجرؤون على انتقاد الأنظمة التي تحميهم، بل الأكثر يتحولون إلى مداحين، بل ومطبلين، والتطبيل أول مراحل الدخول في الفَلك، الذي ينتهي بصاحبه إلى التحول إلى أداة مباشرة.
كان الله في عونهم، فتلك البلدان لاتستضيهم إلا لأنها تحتاج لأبواق لمهاجمة الخصوم السياسيين والحكام المنافسين، لكنها ليست ديمقراطية بالقدر الذي تسمح به لممارسة المعارضة والنقد، في النهاية تظل بلدانا عربية وإسلامية، سقف الديمقراطية عندها منخفض جدا، ولو طلب الواحد من هؤلاء لجوءا في دولة ديمقراطية حقيقية، لتمتع بانتقاد ما يشاء، أو على الأقل لن يكون مضطرا للتطبيل لأحد لكي يرضى عنه، ويسمح ببقائه ولايسلمه لدولته لتعدمه.
ومع ذلك فإن الدوران في فلك أي حاكم كيفما كان، هو ذل وهوان.

