‏إظهار الرسائل ذات التسميات صيد الكتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صيد الكتب. إظهار كافة الرسائل

ميسور...الجغرافية والتاريخ

ميسور...الجغرافية والتاريخ

 مصطفى الحسناوي



تمهيد 
كنا نحن شبان مدينة ميسور، عندما نقصد إحدى مناطق المغرب ومدنه، للدراسة أو العمل أو السياحة، نفاجأ بجهل من نلقاه لمنطقتنا، بل لموقعها على الخريطة، فيحاول الواحد منا جاهدا تقريب الجهة والموقع لهذا المتسائل، دون جدوى. 
ومن الطرائف أنني كنت وصديق لي، مرة من المرات، في زيارة لمدينة أصيلة، فسألنا أحدهم عن موقع مدينتا، فأجابه رفيقي، أنها تقع قرب وجدة، فقلت لصاحبي لما لم تقل له قرب الرباط، فبدت علامات الاستغراب على وجهه، وبادرته قاطعا عليه استغرابه، أن المسافة بين ميسور و وجدة، تقارب المسافة بين ميسور والرباط. كنت أعرف أنه فقط يحاول وضع السائل في الصورة، وتحديد وجهة هذه المدينة المجهولة، وكان هذا ديدني أيضا، وديدن كثير من رفاقي، نحاول أن نلتصق بمعلمة أو حدث، أو شخصية معروفة، أو حتى كارثة، لنرفع عن أنفسنا ومدينتا صفة الجهالة، وإبعاد شبح التهميش والتجاهل. 
وقد دفعني هذا الشعور، لتسجيل كل ما يرمز لمدينتي أو يذكر بها أو يشير إليها، من قريب أو بعيد، فتحصل لدي عدد لا بأس به من قصاصات الجرائد والمجلات والكتب، والصور والخرائط، ومذكرة تحوي أسماء الشوارع والمقاهي والمطاعم، التي سميت باسم مدينة ميسور، في شتى المدن التي زرتها، على طول البلاد وعرضها. ثم ضاعت مني أغلب تلك المعلومات، فكانت بحق خسارة فادحة لأرشيفي الخاص. 
وقد عزمت على تدوين ما تبقى لدي من معلومات، في موضوع متناسق، حفاظا عليها من الضياع، وخدمة لهذه المدينة، وإشراكا مني للقراء، في الاطلاع على ما قد يخفى عليهم، من تاريخ وجغرافية بقعة منسية، من بقاع هذا البلد الحبيب. وقد اعتمدت في هذا الموضوع على ما تبقى لدي من قصاصات، بالإضافة للمراجع التالية: 
معلمة المغرب، ( موسوعة) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، أحمد الناصري. 
إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس، ابن زيدان. 
السلفية الوهابية بالمغرب، مخلص السبتي. 
دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر، ابن عسكر. 
الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر، عبد الله الفاسي. 
إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع، عبد السلام بن عبد القادر بن سودة. 
نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، محمد بن الطيب القادري. 
التعرف على المغرب، شارل دوفوكو. 
وقبل البدء، أنبه أنه بجنوب الهند، مدينة تدعى ميسور، هي مدينة صغيرة سياحية رائعة وساحرة، من أهم معالمها قصر ميسور العظيم، الذي بناه الملك المسلم، تيبو سلطان، عام 1897. كذلك توجد وسط الولايات المتحدة الأمريكية، ولاية تدعى ميسوري، وتقطنها جالية عربية تفوق 4000، شخص. ويخترقها نهر الميسوري من الغرب إلى الشرق. 
التسمية 
ميسور، اسم تطور عبر التاريخ، وقد لعبت ظروف طبيعية وأحداث تاريخية واقتصادية دورا مهما في هذا التطور. 
فميسور في اللغة، تحيل إلى الوفرة والكثرة. واستنادا إلى أن حياة الترحال كانت نشاطا سائدا في المنطقة، فقد يكون لوجود الماء بوفرة في المنطقة، علاقة بالاسم. وأيضا تنسب روايات ومصادر تاريخية الاسم، لأعلام تسموا بهذا الاسم، أو قريب منه. 
لكنها روايات تحتاج إلى تدقيق وتمحيص، كالقول بأن أصل اسم المدينة بربري، نسبة إلى أحد البرابرة السبع الذين توجهوا لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، واسمه "يعلى بن واطن بن مسكر". 
أو إلى "ميسرة المدغري"، الذي طوع بلاد ملوية خلال القرن الثاني الهجري، وكان أحد رواد الخوارج الصفرية. أو إلى "ميسور الخصي"، القائد العسكري خلال الحكم الفاطمي بالغرب الإسلامي، في القرن الرابع الهجري، وأستسمح القراء في الوقوف قليلا مع هذا القائد. 
لما تراجعت الدولة الإدريسية وضعفت وانكمشت. أصبح المغرب ساحة صراع بين الفرع المرواني للخلافة الأموية، وبين الدولة العبيدية الشيعية، فقد كان مدين بن موسى بن أبي العافية واليا على فاس، ثم دخلها حميد بن يصليتن، الموالي للعبيديين الشيعة، وعين عليها حامد بن حمدان، ثم ثار عليه أحمد بن بكر بن عبد الرحمن الجذامي، وقتله وعادت السيطرة إلى بني مروان، إلى أن أرسل العبيديون قائدهم العسكري، "ميسور" لحصار فاس. 
وقد أورد الناصري في الاستقصا 1/245، أنه: "لما اتصل الخبر بصاحب إفريقية أبي القاسم بن عبيد الله المهدي، سرح قائده ميسور الخصي، إلى الغرب، فقدمه ميسور سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة...وتقدم ميسور إلى فاس فحاصرها أياما إلى أن خرج، إليه أحمد بن بكر الجذامي مبايعا، وقدم بين يديه هدية نفيسة ومالا جليلا، فقبض ميسور الهدية والمال... ولما أحس أهل فاس بغدره، امتنعوا عليه وأغلقوا أبوابهم دونه... فحاصرهم ميسور سبعة أشهر، ولما طال عليهم الحصار رغبوا في السلم فصالحهم... فقبل ميسور ذلك منهم... لما صالح ميسور أهل فاس نهض إلى حرب ابن أبي العافية، فدارت حروب كان الظهور في آخرها لميسور... وطرد موسى بن أبي العافية، إلى نواحي ملوية وأوطاط وما وراءها من بلاد الصحراء ثم قفل إلى القيروان. 
قال ابن أبي زرع في كتاب القرطاس: "أن بني إدريس تولوا معظم الحروب التي دارت بين ميسور وبين أبي العافية، وإنهم قاتلوا ابن أبي العافية حتى فر أمامهم إلى الصحراء... فلم يزل ابن أبي العافية شريدا في الصحراء وأطراف البلاد التي بقيت بيده، وذلك من مدينة آكرسيف إلى مدينة نكور، إلى أن قتل ببعض بلاد ملوية، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة". 
كان هذا عن أصل التسمية، أما عن تأسيس المدينة، فإن ذلك راجع لعشرينيات القرن الماضي على يد المعمرين. 
التأسيس والتوسع 
لنلق نظرة خاطفة عن ميسور قبل المرحلة الاستعمارية، أي نهاية القرن 19، يذكر الجاسوس والمنصر شارل دوفوكو، "أن ميسور لم تكن خاضعة للدولة المغربية، وكانت تسير شؤونها بنفسها"، وفق نظام قبلي ضم عددا من القصور والدواوير والقصبات، التي اتخذت من بطن وادي ملوية وروافده مستقرا ومقاما لها، وكان تعداد ساكنة هذه القصور حوالي 6000 نسمة، اتخذت من المجال السهبي فضاءً مخصصا للرعي الترحالي. 



بعد استيلاء المستعمر على التخوم الشرقية للمغرب، وبعد إنشاء عين بني مطهر سنة 1904، تم إرسال جنود فرنسيين قصد التعرف على المناطق السهبية لملوية، ما بين 1905-1906، وبعد الاستيلاء على القصابي التي كانت تعرف بقصبة المخزن، سنة 1918، تم إنشاء مراكز عسكرية بكل من عين الكطارة جنوب ميسور، وأوطاط الحاج، وميسور، وبعد الاستيلاء على المنطقة اختار المعمرون مكانا استراتيجيا لبناء نواة المدينة، فجاء الموقع متوسطا المسافة بين أهم قصور المنطقة، إيكلي شرقا وأولاد بوطاهر غربا، فوق مكان يقع على الضفة اليسرى لوادي ملوية، قصد تسهيل عملية التحكم والمراقبة، فتم بناء ثلاث ثكنات تضم أربعة فيالق عسكرية، وحيا عسكريا، ومرافق إدارية، ومستوصف، وفندقين، وحانة، وكنيسة، ومسبح، وقاعة سينما، وملعب لكرة القدم، ومطار عسكري، ومحطة للقطار الذي كان يربط ميدلت بكرسيف، لنقل الجنود والعتاد، وغيرها من المرافق، التي أنشئت وفق أهداف واستراتيجية وتخطيط احتوائي استعماري، حيث فرض نمط من العيش على واحة بثقافتها وتقاليدها المتوارثة، وأقحمت هذه المدينة المصطنعة بين القصور والقصبات، كمعسكر للاستعمار الفرنسي لأغراض سياسة واستراتيجية. 
وقد نفي إليها الشيخ محمد بن العربي العلوي، فعلى إثر مواقفه البطولية ضد الاستعمار وأتباعه، قررت فرنسا نفيه إلى قرية القصابي ثم إلى مركز ميسور. 
ثم فرض على الأهالي أن يتعايشوا مع جالية فرنسية مهمة، تكونت من الأطر الإدارية والضباط، كما كانت هناك جالية يهودية، قدرت سنة 1947 ب 762 نسمة، وفرض على الأهالي أن يخدموا المعمرين، حيث اقتيدوا قهرا للعمل بأوراش البناء، أو الانخراط في سلك "المخزن". 
عشر سنوات بعد الاستقلال، عاشت المدينة ركودا سكانيا وعمرانيا، حيث عرفت طوال هذه العشر سنوات، هجرة مكثفة للمعمرين، وللجالية اليهودية التي كانت ملتصقة بهم، ووفدت معهم، وهكذا ففي الوقت الذي كان عدد السكان سنة 1951، 1208 نسمة، لم يتجاوز سنة 1960، 1350 نسمة، أي بزيادة 140 نسمة خلال عشر سنوات. وفي العشرية الثانية، أي بعد 1966، هاجر ما تبقى من اليهود نحو إسرائيل، فأقبل الميسورون من الميسوريين، على شراء المنازل والمحال التجارية التي كانت في ملك اليهود، وفي هذه الفترة تم توسيع المدينة بزيادة حيين: 
الأول: حي "البام" وهو حي عصري أنشئ شرق المدينة، بمساعدة البرنامج العالمي للأغذية. 
الثاني: "خرمجيون" أنشئ بطريقة عشوائية، شمال المدينة، وعرف إقبالا كبيرا نظرا لسهولة الحصول على بقعة أرضية، إما استحواذا عليها بالقوة، أو اقتنائها بأثمنة زهيدة، وأيضا بدون رخص للبناء، فسكنته فئات فقيرة من الرعاة والمتقاعدين. ويطلق عليه حاليا "حي سيدي بوطيب"، (ولنا وقفة مع هذه الشخصية في الأسطر المقبلة). 
خلال منتصف السبعينات، تم إنشاء إقليم بولمان في 23 أبريل 1975، وانتقلت المدينة من مجرد تجمع سكاني يحوي حوالي 2000نسمة، إلى عاصمة إدارية للإقليم، تضم عدة مرافق إدارية واجتماعية، وتجهيزات صحية. 
وانتقل عدد السكان سنة 1982، إلى 5055 نسمة، ثم قفز سنة 1994إلى 13000 نسمة، بسبب إحداث بلدية ميسور سنة 1992، على إثر التقطيع الانتخابي لهذه السنة، فتوسع المدار الحضاري ليبتلع أحد الدواوير المهمة، هو دوار إيكلي، وفي سنة 1998، بلغ عدد السكان 14000 نسمة، وكانت المدينة تنتشر على بقعة مساحتها 350 هكتار (18 كلم مربع)، وهي حاليا تفوق 26000 نسمة. الاقتصاد والخدمات وقد أدى هذا التزايد والنزوح المكثف للسكان، إلى حركية عمرانية، حيث أنشئ بعد الحيين المذكورين سابقا، أحياء أخرى، كالحي الإداري وحي السلام وحي القدس، واكتسحت التجزئات المجال الأخضر شرق المدينة، وأيضا الأراضي الزراعية بكل من إيكلي وتاغزوت، وظهرت بالضواحي عدة أحياء هامشية عشوائية، كدوار المراير، ودوار الزاوش، ودوار حميدو، حيث اعتبرت هاته البؤر ملاذا وملجأ لفئات تعيش تحت مستوى الفقر، من رعاة وحمالين، ومطلقات، وأرامل، وغيرهم، ممن نزح من السهوب المحيطة بالمدينة، فرارا من جفاف أو كارثة من الكوارث. كما عرف هذا التزايد السكاني، تكاثر المصالح الإدارية والاجتماعية والخدماتية وغيرها، وتكثيف شبكة المواصلات بين ميسور وباقي مدن المغرب، وأيضا تطور السوق الأسبوعي للمدينة، حيث لم يعد مقتصرا على يوم واحد، بل يومين في الأسبوع، والسوق الأسبوعي في المدينة قديم قدم المدينة، فقد أنشأه المعمرون الذين عمدوا لأسواق القصور والدواوير، وجعلوا لها يوما واحدا هو يوم الأربعاء (وهو اليوم الذي بقي مستمرا العمل به لحد الساعة)، تجتمع في مركز المدينة، قرب ثكنة عسكرية استعمارية، وبعد الاستقلال تم نقله مرات عديدة من مكانه. ويعتبر حاليا من بين الأسواق الكبرى للأغنام بالمغرب الشرقي والأطلس المتوسط، والسوق الأسبوعي مناسبة للفلاحين البسطاء بالدواوير لترويج بضاعتهم المزجاة من منتوج لا يسد الرمق، وكذلك قبلة لترويج المواد المهربة من الشمال، عدا هذه الأنشطة فإن الركود هو السمة المسيطرة على هذه المدينة. 
الأعلام 
وعن أعلام المنطقة، (ذكرت كل من سمي أو عرف بالميسوري، دون تحقق مما إذا كان من أبناء المنطقة أو ممن سكنها، أو مر بها فقط) نذكر من بينهم حسب التسلسل الزمني: 
* اليحياوي بن يحيى بن أبي القاسم، المعروف بسيدي بوطيب. أحد رجالات الفضل والصلاح بملوية الوسطى، فر من السلطان أحمد المنصور السعدي، ونزل أولا بأوطاط الحاج، ثم استقر بميسور وأسس زاويته بها في موضع يقع بين وادي ملوية ووادي شف شرق، وقامت زاويته بأدوار عدة في المنطقة كتعليم الناس، وإطعام المارة، وإيواء وحماية الضعيف، والفصل في النزاعات القبلية حول الأراضي والمراعي ومياه السقي. توفي رحمه الله في ربيع الأول سنة 988ه ودفن بميسور. 
* الطيب الميسوري، أخذ العلم عن جماعة من الأعيان، وله تآليف عديدة، في فنون عدة، وشرع في عدة كتب، مات قبل أن يتمها، منها كتاب مرآة المحاسن، ومنها شرح على قصيدة كعب بن زهير، وشرح على دلائل الخيرات، وشرح على الشفا، وغير ذلك. وله قصائد كثيرة. توفي سنة 1052ه. 
* أحمد الميسوري، صوفي، توفي بفاس ودفن بضريح مسعود الدراوي، سنة 1095ه. 
* محمد بن عيسى الميسوري، عالم مقرئ مدرس، من ميسور، درس النحو والبيان والمنطق والكلام والتوقيت والقراءة والفقه، بمدرسة الوادي ومدرسة الصهريج بفاس. وتخرج على يديه كثير من العلماء بها. توفي رحمه الله قرب مدينة وجدة، سنة 1737م 1150ه. 
* محمد بن الطاهر العلوي، من شرفاء بوسلام، أحد قصور ملوية، فقيه، علامة، مشارك، نقاد، مدرس، فريد عصره وأعجوبة دهره، محقق إمام في سائر الفنون عقليها ونقليها، ماهر في التفسير والحديث وعلوم العربية، استوزره إمام وقته مولاي عبد الرحمن ونوه به، رحل إلى فاس واستوطنها، ثم استوطن مكناس، توفي بمراكش منتصف جمادى الأولى 1248ه، ودفن بضريح مولاي علي الشريف. 
* أحمد الغوان الميسوري، صوفي، توفي 1270ه، ودفن بباب الحمرا، داخل باب فتوح.

اليمين المتطرف وصل برلمانات وحكومات أوروبا

اليمين المتطرف وصل برلمانات وحكومات أوروبا


قبل سنة نشر الصحفيان المعنيان بقضايا اليمين المتطرف في أوروبا كريستيان فوكس وبول ميدلهوف كتابا تحت عنوان "شبكة اليمين الجديد"، لمحاولة فهم دينامية عمل الشبكة وطرق تمويلها وأهدافها.
وحذر الصحفيان الدول الأوروبية من خطورة تلك الشبكات التي تشكلت بشكل معقد من أحزاب وتنظيمات وحركات يمينية متطرفة يمكن وصفها بـ"اليمين الجديد"، تنتشر في الشوارع والإنترنت، قائلين إن "بعضها وصل للبرلمان أو الحكومة في القارة الأوروبية"، وتمثل خطرا كبيرا لا تدرك السلطات حجمه حتى اليوم.
الكتاب الصادر بالألمانية ويتناول قضية اليمين المتطرف في 250 صفحة من القطع المتوسط، يركز على 150 حزبا ومنظمة وحركة يمينية متطرفة ترتبط بقوة بعضها بعضا، أبرزها حزب "البديل" ثالث أكبر كتلة في البرلمان الألماني، وحزب الحرية المشارك في الحكومة النمساوية، وحركة الهوية التي جرى تأسيسها في فرنسا عام 2012 وتملك فروعا في ألمانيا والنمسا، وثبت مؤخرا تلقي فرعها النمساوي تبرعات من منفذ هجوم نيوزيلندا الإرهابي، وحركة بيجيدا الألمانية المعادية للإسلام.
وينطلق الكتاب من فرضية أساسية هي أن شبكة اليمين الجديد في أوروبا تريد "احتلال كل قطاع في المجتمع وتقديم بديل لكل شيء"، ودلل على ذلك بأن الشبكة تملك مجلة "اركادي" الخاصة التي تجذب كثيرا من الشباب، وتقدم مقالات عن نمط الحياة اليميني، وإعلانات عن شركات ونشطاء اليمين المتطرف.
غلاف كتاب "شبكة اليمين الجديد"
وحسب صحيفة "بيلد" الألمانية، فالكتاب يفضح طرق اتباع اليمين المتطرف في الظهور، حيث يسعون لشراء أزياء معبرة عن فكرتهم مثل قمصان "نحن الشعب" من متجر "فالانكس"، وسماع الموسيقى الخاصة بهم من مطربين يمينيين أبرزهم مغني الراب الألماني كومبلوت، ومتابعة إذاعة الراديو "لايت بيت راديو" التي تقدم محتوى معبرا عن شبكة اليمين الجديد، فضلا عن تواجد نشطاء بارزين للشبكة على شبكات التواصل الاجتماعي مثل بيرتني بيتيبون.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فدار النشر الخاصة كوب، وصحيفة "يونجه فرايهايت" ومجلة "كومباكت" الخاصتين جزء من شبكة اليمين الجديد في أوروبا، فيما يبدو وكأنه "مجتمع مغلق يتحرك فيه المؤمنون بأفكار اليمين المتطرف"، حسب الكتاب.
وذكر الكتاب أن "شبكة اليمين الجديد تمثل بالأساس أقلية سياسية متطرفة، ومنظمة بشكل جيد، وصاخبة"، مضيفا "الخبراء حذروا لسنوات من خطورة اليمين المتطرف، وحتى اليوم لا تزال السلطات لا تدرك حجم الخطر وتقلل منه".
طرد اللاجئين
وحول طرق تمويل هذه الحركات، ذكر الكتاب أن رواد الأعمال وملاك السفن في ولايتي هامبورغ "وسط" وبافاريا "جنوب" الألمانيتين ضخوا عشرات آلاف من اليورهات في شبكة اليمين الجديد في السنوات الأخيرة، فضلا عن مساهمات الأشخاص العاديين من المتعاطفين أو أعضاء الحركات الأساسية المكونة لليمين الجديد في أوروبا.
وتقوم فكرة اليمين الجديد على منح السيطرة لـ"السكان الأصليين" أو "المواطنين المرتبطين ثقافيا بأوروبا"، ورفض اللاجئين والمهاجرين والمطالبة بطردهم من البلاد في أحيان كثيرة، ويطرح اليمين الجديد نفسه كبديل للأنظمة السياسية الحالية في أوروبا، ويطمح للسيطرة المنفردة على السلطة.
ووفق الكتاب، فإن تأثير شبكة اليمين الجديد وصل البرلمان الألماني على يد حزب البديل لأجل ألمانيا، والحكومة النمساوية على يد حزب الحرية، لافتا إلى أن الحزبين مرتبطين بحركتي الهوية وبيجيدا المتطرفتين.
ولفت الكتاب إلى أن شبكة اليمين الجديد نمت في السنوات الأخيرة في ركب اليمين القديم الأكثر رديكالية، قائلا: إن" شبكة اليمين الجديد عبارة عن "نبيذ معتق في زجاجة جديدة".
وتابع أن الشبكة تعود جذورها الأولى لحركات النازيين الجدد التي برزت في تسعينيات القرن الماضي.
ووفق صحيفة بيلد، فإن مؤلفي الكتاب تعرضوا لحملات كراهية على الإنترنت خلال الأيام الأخيرة، وتلقوا تهديدات عبر البريد الإلكتروني، وتعليقات تهدد باستخدام العنف ضدهم.
وقررت السلطات النمساوية قبل أسبوعين دراسة حظر حركة الهوية، أبرز حركات اليمين الجديد في أوروبا، بسبب ثبوت تلقيها تبرعات من منفذ هجوم نيوزيلندا الإرهابي الذي استهدف مسجدين وأودى بحياة 50 شخصا على الأقل، وباءت محاولات حزب الحرية في النأي بنفسه عن الحركة بالفشل، مع كشف تقارير صحفية عن مشاركة رموزه ومنهم وزير الداخلية هيربرت كيكل في فعاليات للحركة وتبنيه أفكارهم.
وأوقفت السلطات الألمانية الأسبوع الماضي رجلا أرسل 200 خطاب تهديد بأعمال عنف وتفجيرات إلى مؤسسات حكومية وشخصيات سياسية عامة في ألمانيا، موقعة بـ"الاشتراكيين القوميين"، وهي أيديولوجية النظام النازي بقيادة أدولف هتلر، الذي حكم ألمانيا في الفترة بين 1933 و1945.

كتاب «نظام التفاهة»

كتاب «نظام التفاهة»

«لقد تحولت كل حرفة craft إلى وظيفة job، وصارت كل وظيفة تُرى باعتبارها وسيلة means». هذه مقولة مركزية ومؤسسة لكتاب ألان دونو، أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك الكندية، والمعنون بالفرنسية «La Médiocratie». تُرجم الكتاب حديثًا إلى العربية، واختارت مترجمته مشاعل الهاجري «نظام التفاهة» ترجمة لعنوانه. استوقفتني ترجمة المصطلح، لكنني، بعد قراءتي للكتاب، أعتقد أن «نظام التفاهة»[1] لم تكن فحسب ترجمة غير مناسبة للفظ «médiocratie» بالفرنسية، أو «mediocracy» بالإنجليزية، بل أنها أخلّت بعمق بفهم مقولة الكتاب. لقد تُرجم الكتاب من الفرنسية إلى الإنجليزية تحت عنوان ثانوي يحمل تفسيرًا للمعنى الذي يقصده الكاتب وهو «Mediocracy: The Politics of the Extreme Centre» أو «سياسات الوسط المتطرف».[2]
تترجم كلمة «mediocre» في العربية إلى «متوسط»، وتصف ما لا يعدو كونه كافيًا وذا جودة عادية، لكنها تحمل دلالة سلبية إذ تشي بأن حامل هذه الصفة غير متميز أو متفوق، وبالعامية هو ما يوصف بأنه «ماشي حاله» أو «مش بزيادة» أو ما يتراوح بينهما. وفي مثال أوردته إحدى القواميس الشارحة للّفظ، فإن هي درجة «متوسطة» ينالها الطلاب الذين لا بأس بهم (ماشي حالهم). يقول دونو في مقابلة معه إن الـ«mediocracy» ليست سباقًا إلى القاع كما يعتقد أحيانًا، بل هي سباق إلى العادي (average). ولمصطلح «médiocratie» بالفرنسية سياق يعود إلى القرن التاسع عشر، كما يوضح دونو، حين كانت البرجوازية الفرنسية تستخدمها عندما بدأت الطبقة الوسطى بتثقيف نفسها، مبديةً اهتمامًا أكبر بالفن والسياسة. تبدلت معاني المصطلح واستخداماته، لكن تبقى ألفاظ الوسط والمتوسط تشكل المعاني الأوسع انتشارًا له بدلالاتها السلبية. ما يقصده الكاتب بالـ«mediocracy» هو الحالة العامة التي تقوم على حكم المعايير المتوسطة- العادية لمجمل إنتاجنا البشري؛ حالة تؤسس «لوسط لا يعود المعتاد هو محض توليفٍ مجردٍ .. بل يصبح هو المعيار الذي نضطّر للخضوع له». لا يدرس الكاتب هيمنة قليلي الكفاءة بقدر ما يدرس حالة الهيمنة التي يُنشئها هؤلاء في المجالات المختلفة. ويبني الكاتب على مقصده هذا سؤال الكتاب الأساسي: ما الذي يحدث حين تُرفع الحالة العامة التي تقوم على معايير متوسطة، عادية، فيها شيء من الضحالة، إلى مصاف السلطة وتجتاح مجمل جوانب حياتنا وطرق تفكيرنا وقدراتنا الفنية ومؤسساتنا الثقافية والتعليمية ونُظمنا السياسية والقانونية؟
إلى «الوسط-العادي» سر: عليك أن تلعب اللعبة
يرى دونو أن مَعْيَرة العمل بشكله الرأسمالي الحالي، بحيث يصبح لكل مهمةٍ منتجٌ نهائيٌ يحتل مكانًا في السوق ويخضع لمعاييره، أدت إلى جعل العمل مجرد وسيلة بسيطة بين وسائل السوق، تعلي من الجودة التقنية على حساب التفكير في العمل والمغزى منه. ويلخص دونو هذا بما يشبه صرخة غاضبة: لقد فُقدت الحرفة. يعود دونو إلى ماركس الذي لاحظ مبكرًا العملية التي يختزل فيها العمل من كونه علاقة اجتماعية إلى مجرد قوة عمل ثم إلى وحدة مجردة للقياس ثم إلى تكلفة. في هذا الشأن، يقول ماركس «إن السيرورة التي تسهم في خلق علاقة رأسمالية لا يمكن أن تكون إلا سيرورة انفصام العامل عن ملكية شروط عمله، إنها السيرورة التي تحول وسائل الحياة الاجتماعية ووسائل الإنتاج إلى رأسمال».
بحسب دونو، فقد أصبحنا جميعًا نعمل في وظائف ومهن ذات طبيعة امتثالية، تتطلب مقدارًا كافيًا من الكفاءة والجودة، نلتزم فيها بمتطلبات دقيقة ومعايير تقنية تخفي كسلًا فكريًا، وتقوم على منفعة متبادلة غير متكافئة بين الموظف وصاحب الشركة، والباحث ومؤسسته، والأستاذ وجامعته. «لقد انتصرت النزعة الإنتاجية وما يصاحبها من عمليات تراكمية»، يقول دونو. إذ يؤدي تحويل كل عمل لسلعة إلى هيمنة حالة «الوسط-العادي»، بسواعد وهمم قليلي الكفاءة الذين يديرون المؤسسات والحكومات ويحافظون على ديمومتها بشكلها الضحل هذا. نظام العمل السائد نفسه هو ما يشد العاملين إلى الامتثال إلى «الوسط-العادي»، وبحسب دونو «إن جعل أي فعل يمتثل لوسطه الأبسط»، يعني امتثال المجتمع ككل لمعايير هذا الوسطلنأخذ مثالًا عمليًا: إن كنت موظفًا في شركة كمبيوتر، ستتعلم كيف تصلح عشرة أجهزة بشكل مقبول خلال أربعة أيام بدل أن تصلحها بشكل متقن خلال أسبوع، فمعايير الأداء والترقي مبنية على معادلة التكلفة والربح بشكل رئيس. وحين تتعارض أهدافك الشخصية والارتقاء الوظيفي مع العمل المتقن المفكر به، ستمتثل لـ«الوسط-العادي» ذي الجودة المحدودة أو الكافية. أن تلعب اللعبة، بالنسبة لدونو، يعني أن تساهم في مأسسة الامتثال إلى سلطة «الوسط-العادي» وجعله نظامًا عامًا. يشرح دونو ذلك بأمثلة عديدة منها العمل في التدريس، فصحيحٌ أن المدرسة قد تفصل مدرسًا لا يعرف شيئًا عن المنهاج الدراسي، لكنها قد تفصل أو تعاقب آخر يغير من قواعد التدريس بعمق بهدف أن يوصل التلاميذ الذين يعانون من صعوبات تعلم إلى مستوى المتفوقين. كلاهما قد يكتشفان أن «الوسط-العادي» المتمثل بالالتزام بالمنهاج والمعايير التدريسية السائدة المقبولة هو طريق النجاة ومسار الترقي.
تأخذ اللعبة أشكالًا مختلفة وتنتج جيوشًا، لا بل مجتمعات، من الخبراء والتقنيين الموظفين في مؤسسات مختلفة. تجدهم في الحكومات يديرون الدولة بمنطق الشركات وعقلية الـ«خبير بلا روح» على حد تعبير ماكس ڤيبر،[3] وفي الصحف يعيدون إنتاج خطاب السلطة على شكل تقرير صحفي «محايد»، وفي المستشفيات يصرفون للمرضى أدوية لا يحتاجونها بغية مكافأة عن كل إجراء طبي يقومون به، وفي الجامعات يكتبون ويتحدثون كأنهم آلات مبرمجة، يَدرسون الواقع بالشوكة والسكين. هذه اللعبة التي تكون أحيانًا «مجرد دهان ملطّف لضمير اللاعبين المُدلّسين»، نقبل اللعب ضمن شروطها من باب الضرورة والمتاح، ونعيد تعريف ذواتنا والأشياء وفقًا لقواعدها، فما هو غير مقبول يصبح ضروري، وما هو عنف علني يصبح سنّة الحياة: إنها تحيلنا إلى أغبياء وجشعين، يقول دونو.
حين يتسلل السوق إلى الجامعة
قبل قرابة 100 عام، ألقى ماكس ڤيبر محاضرته الشهيرة «العلم بوصفه حرفة»، في إطار سلسلة من المحاضرات نظمتها عصبة الطلاب الأحرار في ميونخ بعنوان «العمل الذهني بوصفه حرفة»، وكانت العصبة جزءًا من حركة تأسست كردة فعل على التغييرات التي طرأت على جوهر التعليم العالي في ألمانيا. يقول ڤيبر في بداية محاضرته «إن حياتنا الجامعية الألمانية آخذة بالتأمرك في عدة نقاط، شأن حياتنا بشكل عام»،[4] مقارنًا بين النظامين التعليميين الألماني والأمريكي، موضحًا سلبيات وإيجابيات كلٍ منهما، ومبديًا تخوفه من أن تخترق العلاقات التجارية الجامعة وتغير طبيعتها.
يستعرض دونو في كتابه التغيرات التي طرأت على بنية الجامعات في الغرب بشكل ما كان ممكنًا لڤيبر أن يتخيله قبل قرن من الزمن. اختار دونو الجامعات، بوصفها مؤسسات من المفترض أنها لا تخضع لمعايير السوق، كمثال مركزي يبيّن عبره التأثير الحاد للسوق على المؤسسة وإنتاجها والعاملين فيها. فقد أُجبرت الجامعات، كالعديد من المؤسسات، على الامتثال لسلطة «الوسط- العادي»، سواء في أسلوب إدارة الجامعة، أو اتجاهات البحث فيها أو توظيفاته، أو في شروط القبول والتخرج.
ضمن اقتصاد كهذا، يقول دونو، أصبحت الجامعات تدار بعقلية الشركات وصارت جزءًا من مكونات النظام المالي والصناعي والأيديولوجي. فالجامعات الكبرى الممولة من قبل الحكومات صارت مصنعًا للشركات، تعمل على إنتاج ما تحتاجه من معرفة وتقنيات وكوادر بشرية. «العقول ينبغي أن تفصّل وفق احتياجات سوق العمل»، يقول رئيس جامعة مونتريال عام 2011. بحسب دونو، من الطبيعي أن يصدر هذا الاقتباس عن رئيس جامعة يديرها مدراء بنوك، وشركات صيدلة وطاقة وصناعة، ويشغلون مقاعد في مجالس صنع القرار فيها.
يشير الكتاب إلى عدة أمثلة توضح كيف تتصرف الجامعات كشركات، إذ يذكر حالات فشل ذريع وخسارات بالملايين، كانت الجامعات قد استثمرتها في أكثر الملاذات الضريبية إثارة للجدل في العالم. ويعطي دونو عددًا من الأمثلة لجامعات كبرى في أمريكا الشمالية وبريطانيا كانت قد استثمرت عشرات الملايين في صناديق خارجية (Offshore) ومشاريع مشتركة لتطوير الاستكشافات البترولية، الأمر الذي كشفته أوراق برادايس عام 2017. من جهة أخرى، لم تعد الجامعات تبيع للشركات أبحاثها وتصدّر لها خبرائها بعد أن ضيقت تخصصاتها على مقاس السوق فحسب، بل أصبحت شريكة في التلاعب بالرأي العام بعدما باتت أيضًا أداة أساسية لشركات الضغط السياسي. 
في الجامعات أيضًا، يقول دونو، عليك أن تلعب اللعبة. متطلبات النشر ومعايير الترفع، تفرض على الأساتذة إنتاجًا مستمرًا ذا جودة مقبولة، أو إعادة تدوير أبحاث قديمة، أو سرقة جهد طلابهم ومساعديهم الذين يعملون بأجر قليل دون تثبيت وظيفي «tenure»، ولا تأمين صحي أو مزايا أخرى. واقع المساعدين هذا ينطبق على أكثر 40% من أعضاء هيئة التدريس في الولايات المتحدة، يقول دونو، شارحًا متطلبات التوظيف والترقي ومعايير المنح وانعكاسها على شكل العلاقات الاجتماعية في الجامعات بالاعتماد على تجارب وأفكار عدد من الأساتذة الجامعيين، من ضمنهم عالم الاجتماع البريطاني أليكساندر أفونسو، الذي كتب بحثًا عنوانه «كيف تشبه الأكاديميا عصابة المخدرات».
ما يميز الكتاب أيضًا منهجُ دونو وأسلوب كتابته المتمردين على الصيغ السائدة في الأكاديميا. كأنه يريد أن يرينا الفرق بين الكتابة الممتثلة لـ«الوسط-العادي» والمُمَعيرة بدقة على مقاسه، وبين نقيضها. يشن الكاتب هجومًا مدعمًا بالأمثلة على الأكاديميين المتواطئين مع معايير الكتابة الأكاديمية المقبولة والمرحب بها. «لقد استسلموا»، يقول دونو، لأسلوب يفرض على الكتابة أن تراوح المنطقة الوسطى كي تكون علميةيمكن تلخيص نصيحة دونو لمن يريد أن يلعب اللعبة بالتالي: عليك أن تختار كلمات تبدو علمية؛ استبدل النقود بالعملة، الطبقة بالفئات الاجتماعية، النهب بالحوكمة السيئة، وابتعد عن استخدام مصطلحات مثل العدالة الضريبية «لأنهم يعتبرونها سياسية إلى درجة كبيرة». إياك أن تخرج عن النبرة المعيارية.
إنها حوكمة؛ إنه خبير
إذا كان تقسيم العمل مصدرًا رئيسًا لظهور وهيمنة هذا «الوسط-العادي»، فإن الاقتصاد هو المجال الذي تتسيد فيه مفاهيمه ومعاييره بثقة لا مثيل لها. بفضل الخبراء -الذين يقول دونو إنهم «كلما تراجعت الأوليغارشية إلى عاداتها السيئة» يتسارعون إلى إنقاذها- لم نعد نستطيع أن نفكر بالاقتصاد بشكل جمعي. وحين يكون كل الكلام والكتب والبرامج التلفزيونية مصمَّمين بحيث لا نستطيع أن ندرك أن هذا النظام في حالة من الفوضى العارمة، سيبقى الاقتصاد موضوعًا خاصًا بالخبراء. يستشهد دونو بصاحب البيت في رواية كافكا، «المحاكمة»، حين يتحدث عن فهمه للنظام القضائي، مشبهًا إياه بحالنا مع الاقتصاد اليوم: «أعتذر إن كنت أتفوه بحماقات، لكنه يبدو شيئًا علميًا أنا لا أفهمه، ولا حاجة لي إلى فهمه أصلًا».
يصف دونو خبراء الاقتصاد بالسائرين أثناء النوم، ويسخر من التضليل الذي يمارسونه، قائلًا إن نظرية «التقاطر إلى الأسفل»، التي تعدنا بأنه إذا عمّ الثراء لمن هم فوق فسيستفيد منه بالضرورة من هم تحت، تم تحديها من كل جانب، ومع ذلك، ما زال الخبراء يرددونها ببلادة. ويتساءل دونو: «لو كان المتنبئون بأحوال الطقس عبر العالم يتنبأون بالمطر باستمرار على قدر ما يعلن فيه الاقتصاديون نظرية تماطر الثروة الخيالية هذه، لتوقفنا عن الاستماع لهم منذ زمن طويل». لن يتوقف الخبراء عن تليين النظام لكي يبدو طبيعيًا وأقل عنفًا مما هو عليه. سيظلون يثرثرون، لكن بوقار العلم. فـ«في حين أن الثرثرة بين النساء هي أمر محل سخرية حول العالم باعتباره دنيئًا وسخيفًا .. فإن الثرثرة بين الرجال تسمى نظرية أو فكرة أو واقعة»، كما ينقل دونو عن الكاتبة النسوية أندريا دونكن.
يقلب الكاتب عدة مفاهيم ويعيد تعريفها من جديد، ومن أهمها الحوكمة. فهي تعني عنده تفريغ السياسة، وتلطيف العنف والنهب، وتشويه دور الدولة بحيث تغدو مجرد هيئة تسيير أعمال. ويشرح دونو كيف تعمل الحوكمة كتجسيد لـ«الوسط-العادي-المقبول»، فلم يعد ضروريًا أن تستنزف ثروة شعب ما عن طريق استعماره مباشرة، فالحوكمة توفر غطاءً تشريعيًا لعمليات التحكم والاستغلال والتدمير الممنهج لموارد الآخرين، إضافة إلى أنسنة منقطعة النظير.
ركّز دونو في كتابات سابقة على الدور الذي تلعبه شركات التعدين متعددة الجنسيات في بلاد عدة، وبعض هذه الشركات رفعت قضايا ضده في المحاكم الكندية. في كتابه هذا، يشرح الآلية السياسية التي تنظم عمل الشركات الأجنبية في التنقيب عن الذهب في هايتي والدومينكان: السيطرة من خلال الحوكمة. فالشراكة بين الشركات المتعددة الجنسيات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والدولة، التي ينظر لها كقرين، تهدف بحسب دونو لشرعنة استغلال الشركات وشركائها ومراكمتهم الثروات وتدمير موارد هذين البلدين. من المهم أن نتذكر أن هذا ينطبق على العديد من الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. فإذا كانت هايتي بالنسبة لهم «فقاعة إنسانية تساوي 10 مليارات دولار»، فإن أفريقيا التي تتلقى من الخارج سنويًا 161 مليار دولار بين مساعدات وقروض وتحويلات مغتربين، يُنهب منها في المقابل سنويًا 203 مليار دولار بين تهرب ضريبي وأرباح صافية للشركات الأجنبية العاملة هناك، فضلًا عن كلفة التدمير البيئي الذي تلحقه بالقارة.
تُغيّر الحوكمة وظيفةَ المؤسسات العامة وتخضعها لمصالح خاصة، فالدولة تصرف مبالغ طائلة على شق الطرق وتهيئة البنية التحتية في المناطق المنوي التنقيب عن الذهب فيها، في الوقت الذي تعاني فيه مدن أخرى من ترهل البنية التحتية والخدمات. في الدومينكان، كان عائد الحكومة من مشروع تنقيب نفذته شركتان كنديتان 17.5% من الأرباح، لا تحصل عليه الحكومة إلا بعد أن يحصل حملة الأسهم على نصيبهم، وبعد أن يُخصم من المبلغ تكاليفُ مشروع تنظيف نهر قامت إحدى الشركتين بتلويثه. ويقول دونو إن الشركتين اتُهمتا بتلويث 2500 متر مكعب من الماء في الساعة، في منطقة لا تصل المياه فيها إلا إلى 25% من السكان. هل يمكنك البدء في تنمية منطقة ما فيما أنت تدمرها؟ يتساءل دونو. يبدو أن الحوكمة تستطيع فعل هذا.
خاتمة: عن الطبقة-الجدار
إن إدارة الدولة والاقتصاد بآلة الحوكمة وجيوش الخبراء والتقنيين تغيّر شكل النظام السياسي. فالحوكمة كما يشرحها دونو تصادر المجال السياسي الذي تغدو السلطة والقوة فيه لا مركزية بشكل لا مثيل له. يتمثل هذا في القوة التي تمنحها الحوكمة لمجموعات وفئات واسعة من مؤسسات المجتمع المدني والمهنيين وشرائح من البيروقراط وموظفي القطاع الخاص، لدرجة تصبح فيها المواطنة «تجمع لأشخاص من المناصرين للمصالح الخاصة»، كما يقول دونو.
هذا الحال، بالنسبة له، يُفقد الديمقراطية أهم أفكارها، كالصالح العام والأغلبية والشعب. لكنه يرى في الوقت نفسه أن المسألة أصبحت أكبر من ذلك. يربط دونو بين الفساد المستشري في هذا النظام والديمقراطية بشكلها الحالي في الغرب. فهو يدعونا إلى التفكير بالفساد بشكل أعمق، لا بكونه تشوهًا ظرفيًا، بل بكونه هجومًا وتدهورًا راديكاليًا، له تأثير عميق على ما هو قائم، ينتج شيئًا جديدًا في نهاية العملية. فالفساد ليس عملية مستمرة لا نهاية لها، بقدر ما هو انتقال من حالة إلى أخرى. لهذا، يقول دونو، من المضلل القول إن الفساد يهدد الديمقراطية، بل أن المبدأ الديمقراطي أصبح فاسدًا لأنه يفسح المجال للحوكمة المجبولة بالفساد.
المشكلة أن الرد على ما يقوله دونو عن الديمقراطية يمتثل للوسط الأبسط، ويعوزه الكثير من الخيال. نرى ذلك بوضوح في مقابلة مع الفيلسوف الفرنسي ألان باديو، يمكن اعتبارها تجسيدًا مسرحيًا بين ما هو لامع وخلّاق وبين ما هو وسط-عادي، قليل الكفاءة، محدود الخيال؛ أي ما بين باديو ومحاوريه. يقدم باديو في المقابلة نقدًا عميقًا لشكل النظام الديمقراطي في فرنسا والغرب، ليرد المحاور بالمقولة البليدة السائدة، المعطِّلة للمخيال، بأن هذا الشكل، على علّاته، هو الأقل رداءة. بالنسبة لفيلسوف كبير كباديو لم تكن مقولة «الأقل رداءة» غير مقنعة فحسب، بل كانت علة لتبرير الرداءة في مختلف مستوياتها.
مأخذي على الكتاب هو قفزه من واقع إفساد النظام الديمقراطي إلى ضرورة الثورة عليه، دون تطرق للدور الذي ستلعبه هذه الجيوش الكبيرة من المهنيين والأكاديميين والخبراء و«مدراء البؤس» في المنظمات غير الحكومية وغيرهم، ممن يشكلون فئات واسعة من الطبقة الوسطى -التي يصفها بـ«الطبقة الـmediocre»- في أي عملية تغيير. بذلك، يترك دونو الباب مواربًا لاستنتاجات سطحية تتقاطع مع شعار «1% مقابل 99%»، تتجاهل أو تغفل عن أنه، إلى جانب الـ1% التي لا تمثل سوى رأس الأوليغارشية، هناك نسبة غير بسيطة تدافع بضراوة عنها وعن نظامها، مقابل ما تحصّله من «فتات»، مقارنة بما تملكه الأوليغارشية. هذا الحفاظ على الفتات الذي يناله «المتوسطون» بحكم مواقعهم الطبقية والأدوار التي يشغلونها هو ما يخلق بينهم خوفًا دائمًا إما أن يشحذ دفاعهم عن النظام، أو أن يجعلهم يطالبون بتغيير لا يؤثر بنيويًا على التشكيلات الاجتماعية السائدة، فضلًا عن أن امتثالهم لسلطة «الوسط-العادي» يحجّم قدرتهم على تخيل نظام مختلف.
طالما بقي فن الحكومات في الغرب، كما يقول ألان باديو، فنَّ إدارة خوف الطبقة الوسطى بكل أشكاله،[5] فستقف هذه الطبقة سدًا منيعًا أمام أي تغيير جوهري يسعى لعالم جديد.