‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات ساخرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات ساخرة. إظهار كافة الرسائل

أعرابي في البرلمان

أعرابي في البرلمان


قال لي صاحبي : أو عزمت على الرحيل ؟! قلت : إي والله ، فإنه لم يبق في حاضرتكم شيء لم أطلع على عجائبه .
فابتسم وقال : ولكنك لم تزر البرلمان .
قلت : وما البرلمان ؟ فنحن أهل البر نعيش فيه ، ونفعل ما يحلو لنا فضحك صاحبي ، وقال : هداك الله !إنه البرلمان
قلت : ما سمعت بهذا لا في مدر ولا في وبر .
قال : إنها كلمة ليست من العربية في شيء ، ومع ذلك فإن في زيارة البرلمان متعة ليست في غيره .
قلت : أيكون أحسن حالا من الحمام والسينما ؟!فماذا عندكم يا أهل المدن إلا التعري والروايات !
قال صاحبي ، وقد ذكر ما لقيتُ في الحمام والسينما من مفاجآت : علمُك بالشيء خير من الجهل به ، ففي البرلمان ستجد الحكومة ، وتجد ممثلين عن الشعب وجها لوجه ، وستسمع من يهاجم الوزير والمحافظ ، ولا أحد يقول له شيئا !!
قلت : الممثل يفعل هذا ؟! يتهم الحكومة ، ويهاجم الوزير وضربت كفا بكف و هتفت : ثكلتني أمي ، فما كان أغناني عن حياة البادية ، وما كان أغناني عن عملي دليلا فيها ؟! كيف الطريق إلى التمثيل ؟!
فضحك _ والله _ صاحبي ضحكا خلت أنه خلع قلبه ، ثم ضرب بيده على كتفي ، وهو يقول : ليس التمثيل كالذي رأيته في السينما ، وإنما هؤلاء يمثلون الشعب ، أي ينوبون عنه لأنه اختارهم ، فهم نواب و نائبات يطالبون ويقترحون…
فهممت أن أقول شيئا ، فقال صاحبي : وقد يَشتمون ويُشتمون ….
ولن أطيل عليك ، ففي غد نذهب معا ، ونحضر إحدى الجلسات ، وتشاهد من خلال شرفة الضيوف كيف يفعلون.
و والله ما كان إلا الغد حتى ذهبت مع صاحبي ، وأنا لا أدري كيف ساقني ،ولم أنس بعد ما حل بي في السينما والحمام . فوقفت معه أمام دار كبيرة ما رأيت مثلها من قبل ، فأوقفنا بعض الشرط فقدم لهم صاحبي قطعتين من ورق ، وأشار إلى نفسه وإلي فأدخلونا ، ثم استوقفنا آخرون عِراض المناكب ، كُلح الوجوه كأنهم لم يبتسموا مرة في حياتهم ! وبدؤوا يفتشوننا ، حتى وقعت يد أحدهم على خنجري ، فصاح غاضبا: سلاح ؟! قلت: إنه خنجري وهو شبر من حديد .فقال : ممنوع . اتركه في الأمانات ، وخذ إيصالا به .
فوقفت ، وأنا لا أصدق ما أرى ، وصاحبي لا يرى في ذلك بأسا ؟!!
وأعطاني ورقة أصغر من راحة اليد ، فهممت أن أعود ، ولكن صاحبي سحبني من يدي ،فقلت : ما أبخسها من صفقة ! أأستبدل هذه الورقة بخنجري ، وما هي بالتي يشترى بها شيء ؟!!
فقال : هوّن عليك ، فنحن ما بعنا ولا اشترينا ،فإن خنجرك سيكون في الأمانات إلى وقت الخروج . فمضيت وأنا منكسر القلب أردد قول  الشاعر :
أخاك أخاك إنّ مَن لا أخا له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ
فكيف وأنا غريب في هذه البلدة بلا أخ ولا سلاح .. فتبعته وأنا أجر قدمي ،فأجلسني على مرتفع ، وقال: هذه شرفة الضيوف فرفعت رأسي وإذا هي دار قوراء ، وإذا القوم جلوس على كراسيهم ، بعضهم يقابل بعضا ، وآخرون يديرون أقفيتهم ؟!
فقلت : ما أشبه هذه الدار بالحمام لولا أن القوم لم يخلعوا ثيابهم فابتسم صاحبي وقال : هذه قبة البرلمان ، أما سمعت في الأخبار عن القوانين التي تناقش تحت قبة البرلمان ؟!
قلت : ولولا أن القوم يقابل بعضهم بعضا ، وليسوا صفوفا لظننت أني في السينما ، وقد كذبت ظني حين رأيت القوم لا يطفئون الأنوار.
قال صاحبي : بعد قليل ستبدأ الجلسة ..ولم يطل بنا المقام حتى قام أحدهم ، وبدأ يتكلم وأنا لا أعي أكثر ما يقول ! ثم تناوب القوم الحديث ، بعضهم يقول ، وبعضهم يسمع ، وبعضهم لا يقول ولا يسمع ، وهو إلى النوم أقرب ، كأن الأمر لا يعنيهم فقلت : لعلهم ضيوف مثلنا ، ولكنهم أقرب إلى القوم ، فأجلسوهم معهم ؟!
وتفحصت الوجوه فإذا (معيضان )بينهم لا حول له ولا طول فقمت لأطل عليه ، وهتفت : معيضان … معيضان ! لقد بحثت عنك طويلا فلم أجدك ! في أي مكان تنزل ؟! وإذا أحد أولئك الشرط يمسكني ويردني ، ويهم بإخراجي . قلت : ويحك ! ماذا فعلت ؟ أنادي على واحد من قومي ، وهو يعرفني ، ووالله لقد أقرضته خمسين تيسا لمأدبة أقامها ،ووعدني بردها … فأشار صاحبي وهو يعض على شفتيه أن أنهي الحديث ، ثم اعتذر للشرط واعدا ألا يتكرر ذلك مني ، فجلست ، وأنا أكاد أتفجر من الغيظ . أي هوان هذا الذي أنا فيه! أنادي على بعض قومي ، وأُمنع من ذلك ؟ ومعيضان يتجاهلني ، ولا يرد ، ووالله ما مثلي ومثله إلا كما قال الشاعر :
سريع إلى ابن العم يلطم خده=وليس إلى داعي الندى بسريع
ثم التفت إلى صاحبي وقلت ! هل يستطيع معيضان أن يرد علي ؟
قال : نعم ، لأن له حصانة . قلت : والشرطي لا يخرجه ولا يمنعه ؟
قال : إنه نائب ، ويتمتع بالحصانة . فقلت في نفسي : والله لقد بزغ نجمك يا بن (شنيطة ) وعرفت الآن لماذا أقمت الولائم ، وجمعت الناس ، ثم قلت لصاحبي ، وقد ذكرت الخمسين تيسا : وهل سيكون معيضان بعد هذه الحصانة قادرا على وفاء الدين ؟
قال صاحبي : لا أشك في ذلك . فلسوف يتقاضى رواتبه ، ويعطى مخصصات عن هذه الجلسات .
ولم أطل التفكير حتى انبرى واحد من الجالسين يهدر ويزمجر ، وأنا لا أدرك كثيرا مما يقول ؟! فهمس صاحبي في أذني : إنه من المعارضة !
قلت : ما سمعت بهؤلاء القوم ! فأين تكون منازلهم ؟ قال صاحبي : ينزلون وراء الحدود ، فأكثر منازلهم خلفها ، وهذا إنما وصل لأنهم سمحوا له بالدخول . قلت: يسمحون له بالدخول والنزول ، ويزمجر عليهم ؟! ابتسم صاحبي وقال : لكنه لا يقول ما يؤذيهم ، صحيح أنه يهاجم الحكومة ، ولكنه لا يجرحها … ولم يطل به كلام حتى دمعت عينا امرأة كانت تقابله في المجلس ، فقلت : سبحان الله ، يهاجم الحكومة ، والمرأة تبكي !لعل الحكومة تكون من عشيرتها … قال صاحبي: إنها رئيسة الحكومة ! هل ترى الرجال المحيطين بها ، إنها
رئيسة لهم . ثم قام رجل من خلفها يشتد في كلامه ، فقلت : لعل الحكومة من عشيرته ، فهو لم يقبل هوانا يصيبها . فقال صاحبي : إنه نائب رئيس الحكومة . قلت : والله لقد أصابت حكومة فلربما منعت هذه المرأة من الحضور ، وربما أقسم عليها زوجها ألا تخرج من البيت ، فتبره في قسمه ، فهم لا يعطلون أعمالهم ، وأيقنت أن حكومة موفقة . فمن يدري ، فقد يطول بالرئيسة نفاس ، أو يعسر عليها المخاض . فينوب عنها رجل ريثما تعود بالسلامة .
ثم وقفت فتاه كَعاب تصرخ وتولول ، وتهتف : ارفعوا أيديكم عن المرأة . فقال صاحبي : إنها إحدى النائبات .
ووالله ما استطعت أن أصم أذني ، فقلت : ويح أهل الحضر ، قبل أيام هتفت امرأة في السينما ، وقد أحاط بها غادر خبيث ، يحاول أن ينال منها على مرأى منا ومسمع ، فاستللت خنجري ، و أقبلت أريده فأشعلت الأنوار ، وما ارتضيت أن أقيم على هوان ، واليوم تستغيث امرأة ، ولا من مغيث . فمن هؤلاء الذين وضعوا أيديهم على المرأة ؟!
فإن الطبيب يعاين نساءنا من وراء حجاب ، ولا يرضى أحدنا أن يعطيه اسمها ليكتبه في أوراقه . فثارت الدماء في عروقي ونهضت هاتفا : لبيكِ ألفا … لبيك ألفا ….
فجاء رئيس الشرط ومعه ثلاثة من أعوانه ، وأصر على إخراجي .. فقلت : تستغيث امرأة ، أإن لبيتُها تُخرجوني ؟! ووالله ما رأيت ألأم منكم ولا أقل مروءة. وعند ذاك عرفت لماذا أصروا أن يأخذوا خنجري قبل الدخول ، وذكرت قول ابن أبي ريشة :
رب وامعتصماه انطلقت = ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم ، لكنها = لم تلامس نخوة المعتصم
فتدخل صاحبي ، وقال : إنه غريب ، ولم يدخل قبل يومه إلى برلمان ، ولعلها آخر أخطائه ، وهو قريب أحد النواب ، فتركوني وهم يهمهمون.
وطال بنا جلوس ، والقوم يتهاوشون ، وأنا لا أعيرهم انتباها ، حتى وقف غلام أمرد يحمل صندوقا على كتفه قريبا منا ، فقال صاحبي : أتحب أن يصورك لتظهر في التلفزيون ؟ قلت : وماذا ينفعني هذا أو يضرني ؟ قال: لا شيء . قلت : لا أريد.
وحان وقت الظهر ، ولم أر أحدا من القوم يتحرك من مكانه ! فقلت لصاحبي : ألا أؤذن ، وأذكر القوم ؟ فضغط على يدي وهمس : يعرفون ذلك ولديهم ساعات يضبطون بها الوقت . قلت : إذن أصلي وأعود . قال : انتظر قليلا ، ألست مسافرا ؟ قلت : بلى . قال: إذن تجمع وتقصر .قلت : والقوم ! قال : هم كذلك مسافرون وقد قدموا من بلاد بعيدة . فأسكتني والله ، ولكنه لم يستطع أن يسكت جوعة بطني ، فقلت : ولكن القوم ألا يأكلون ، فقد يستمرون إلى العصر ، فلم أرهم صنعوا طعاما ولا دعوا إلى وليمة ، وليس من البر الصيام في السفر ، فلم يرد علي بشيء ، فأخرجت تمرات أشغل بها بطني ، وذكرت قول الشاعر :
لاتحسب المجد تمرا أنت آكله = لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
فقلت ، وأنا أتبلغ بتميراتي : وإن الجوع ليئس الضجيع …
ثم نهض القوم واقفين ، فقال صاحبي : انتهت الجلسة . فقلت : لابد أن أصل إلى معيضان . فخرجت أتبعه ، وهتفت عند الباب الكبير ، ولكن اللئيم ركب سيارة فارهة ، ولم ينظر إلي ، ومضى . وعاد إلي صاحبي بالخنجر ، ثم اعتذر لبعض شأنه . ووقفت وحيدا ، وقلت : لو أنني أقسمت ألا أدخل هذه الحاضرة بعد اليوم لكان حريا بمثلي أن يفعل ذلك . فهذه ثالثة الأثافي ، فأي داهية نزلت بي في الحمام والسينما والبرلمان.

أعرابي في سينما

أعرابي في سينما


طالت غيبة "صْلَبى" فنسيته وطرحت همّه عن عاتقي، وعدت أدور مع الحياة كما تدور الساقية، مغمض العينين، أطوف في مفحص قطاة، فلا غاية أبلغ ولا راحة أجد، أغدو إلى كدّ العقل وعذاب النفْس، وجفاف الريق وانقطاع النَفَس، وأروح، وما بقي فيَّ بقية لعمل، ولا طاقة على كتابة، فألقي بنفسي على كرسي أو سرير، أنتظر عناء اليوم الجديد.
وإنِّي لغادٍ إلى المدرسة ذات يوم، وإذا أنا بأعرابي في شملته يشير إليَّ.. وهو يسير بين تلك المواخير: تريانون وليدو ولْوازيس .. حائراً يتلفّت.. فقلت: لعلّه ضالّ أحب أن يستهديني، ووقفت له، فلمّا دنا وتبيّنته، لم أملك من الفرح فمي.. فصحت في السوق وسط النَّاس.. وما لي لا أصيح وقد وجدت "صْلَبى" بعد طول الغياب.. وحييته وحيّاني تحية ذاكرٍ للصحبة، حافظ للود، وطفق يحدِّثني حديثه..
قال: أتذكر يا شيخ ما ابتلاني به الله من أمر الحمام؟ لقد وقعت في داهية أدهى.. ولقد والله كرهت الحضر، وعفت المدن، وأصبحت أخشى فيها على نفسي.. فما أدري ماذا سيكون من أمري بعد الذي كان؟..
... قدمت الشام قدمة أُخرى، فكان أوّل ما صنعت أن قصدت صاحبي، وكنت قد عرفت داره في (الميدان).. فأكرمني وأحسن استقبالي، أحسن الله إليه، وذبح لي خروفاً، ولم يكتف بذلك من إكرامي، بل أزمع أن يأخذني إلى سنمة.. قلت: ولكني لا أعرف سنمة هذا، ولا أدري من هو، فكيف تأخذني إليه؟ قال: لابدّ من ذلك. فاستحييت منه وكرهت أن أخالفه بعد الذي قد صنع في إكرامي.. وقلت في نفسي: لولا أنَّ سنمة هذا صديق له، عزيز عليه، ما سار بي إليه. ولقد قال المشايخ من قبيلتنا: صديق صديقك صديقك.. فرضيت وقلت له: على اسم الله!
ولكن الرجل لم يسر بل أدركه لؤم الحضر فصاح بابنه أن هات الجرائد حتى نرى الرواية، فتوجّست خيفة الشر، وقلت: إنَّ الرجل قد جنّ، وإلا فما بال الجرائد؟ وهل تراه يضربني بها؟ إذن والله لأريته عزّ الرجال ولضربته ضرباً يبلغ مستقرّ اللؤم في نفسه.. وخشيت أن أتريّث أو أتلوّم فأخيب وأفشل وذكرت حكمة حَمَدْ بن علْوي: "الغلبة لمن بدأ" فشدّ ذلك من عزمي وصرخت: "ياهُو.." ووثبت وثبة أطبقت بها على عنقه، وقلت: سترى لمن الجرائد والسياط، ألابن المدينة الخوار الفرار، أم لابن البر الحر؟
فارتاع وأبيك وجعل يصيح من جبنه: أدركوني، أنقذوني! النجدة، العون، يافلان (لابنه) أقبل.. ويلك ياصْلَبى.. يامجنون، كفّ عني، ويلك ماذا اعتراك؟
فأخذتني به رأفة فكففت عنه، وقعدت محاذراً أرقب أهل المنزل، وقد اجتمعوا ينظرون إليّ بعيون من يهمّ بفرْي جلدي، فقال لي: ما أردت بهذا ويلك؟ وبم أسأت إليك حتى استحققت منك هذا الصنيع؟ قلت: بالجرائد.. أمثلي يُضرب بالجرائد، لا أمّ لك؟
فضحك والله وجعل يكركر حتى لقد شبهت بطنه بقربة جوفاء أدخلتها الماء، وضحك كلّ من كان حاضراً من أهل وبنيه ضحكاً ما شككت معه أنَّ القوم قد أصابهم طائف من الجنّ، فقلت: قبَّحكم الله من قوم، وقبَّحني إذ أنزل بمثلكم، وهممت بالانصراف. فصاح بي وعزم عليّ إلاّ ما رجعت، فبررت بيمينه وقفلت راجعاً فقال لي:
 وأنت حسبت الجرائد ممَّا يضرب به؟ ألم تبصر جريدة قط؟ قلت: ويحك فكيف إذاً؟ أنا من بلاد النخيل، تبوك حاضرتي، قال: وتحسبها جرائد نخيل؟ قلت: إذن فجرائد ماذا؟ قال: خذ؛ هذه هي الجرائد..
وألقى إليّ صحفاً سوداء بها من دقيق الكلم مثل دبيب النمل، فعجبت منها وسألته أن يقرأ عليّ ما فيها فأستفيد علماً ينفعني في آخرتي، فإنَّ الرجل لا يزال عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهل. ولقد سمعت أنَّه جاء في الأثر (كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابعة فتهلك).
فضحك وقال: هل تظنّها كتب علم؟ قلت: فماذا فيها ممَّا ينفع النَّاس؟ قال: فيها أخبار البشر، من سافر منهم أو حضر، أو تزوّج أو ولد له ولد، فما يصنع أحد من شيء إلا دوِّن فيها، ولا ينبغ من عالم أو أديب أو يقدم مغنّ أو تجيء قينة أو تأمر الحكومة أو تنهى إلا ذكر ذلك فيها، حتى إن فيها صفة الخمر والإعلان عن الميسر، وأخبار دور الدعارة، والدعوة إلى الروايات الخليعة..
فلمّا سمعت ذلك طار عقلي وأخذت هذه الجرائد فمزّقتها شرّ ممزّق، وعلمت أنَّ الله مُهلك هذه القرية، وعزمت على مفارقتها ونويت ألاّ أعود إليها بعد الذي سمعت من خبر جرائدها.. وما ظننت أنّ مثل ذلك يكون، ولم يجتزئ صاحبي بما أعلمني من علمها حتى وصف لي أخرى تكون في أيدي الصبيان والبنات فيها صور قوم عراة تبدو عوراتهم، ونساء ما يسترهنّ من شيء إلا شيء ليس بساتر، قلت: فهل يرضى الحضري بها؟ قال: نعم، فسقط والله من عيني وقلت: هذا القرنان الذي لا تأخذه على أهله غيرة، وما كنت أحسب أنَّ رجلاً يؤمن بالله واليوم الآخر يفعل ذلك.
ولست مطيلاً عليك الحديث..
.. وذهبنا نزور سنمة فسرنا حتى بلغنا قصراً عظيماً على بابه خلق كثير، وله دهليز تسطع فيه الأضواء، فقلت: هذا قصر أمير البلد، هذا الذي يدعونه رئيس الجماهير.. وألهاني ما رأيت وشغلني ففقدت صاحبي وسط الزحمة، ولكن لم أبال، وأقبلت أصعد الدرج فمنعني أغلمة بثياب ضيقة حمر مارأيت مثلها، وعلى رؤوسهم كُمَمٌ لها رواق من فوق عيونهم كالذي يوضع على عيني بغل العجلة.. وأفخاذهم مكشوفة فعل أهل الفسوق والتهتك، فهممتُ أن آخذ ثلاثة منهم فأكركبهم على الدرج فأزحلق مِعَدهم عن مواضعها، ثمّ قلت: ترفق يا صْلَبى لا تجنّ، فما أنت في البادية، أنت في قصر الأمير وهؤلاء مماليكه وإنّك إن مسستهم لم تجد أمامك إلا ضرب العنق.. ووضعت يدي على عنقي أتحسسها فعلمت أنِّي ما أزال أحتاج إليها.
ولو أنني في السوق أبتاع مثلها    وجدِّك ما باليت أن أتقدما
وسألت الغلمان الكاشفي الأفخاذ ماذا يريدون مني أن أصنع، فأشاروا إلى كوّة ازدحم عليها النَّاس، فعلمت أنَّ الدخول من هناك، وأقبلت أزاحم وأدافع وهم يردونني حتى بلغت الكوّة، فإذا هي غرفة ضيِّقة كأنَّها القفص، وإذا فيها رجل محبوس والنَّاس يتصدَّقون عليه، فقلت في نفسي: هذا رجل ضرب مماليك الأمير فحبسه هنا لتضرب عنقه في غداة الغد، وحمد الله على السلامة، وتوجهت بوجهي إلى رجل توسمته أسأله: متى تضرب عنق السجين؟ فنظر إليّ ولم يجب، ثمّ ولاني قفاه وانصرف، فعلمت أنَّ الأمير يمنع النَّاس من الكلام في هذا، ولولا ذلك لأجابني. ودنوت من كوّة السجن فأعطيته قروشاً كانت معي وقلت له: هذه لأولادك من بعدك، لهم الله فلا تحزن، فلم يقبضها حتى عدّها فرآها كثيرة فردّ إليّ بعضها وقبل بعضاً، فلم أحلف عليه وأخذتها منه وأخذت معها ورقة صفراء أعطانيها لم أدر ماهي، ولكنني لم أشأ كسر قلبه بردّها، ووضعت ذلك كلّه في كمي وعدت إلى الكوّة لأدخل منها فوجدتها عالية، فوثبت فأصبت بقدمي وجه رجل ممّن كان هناك، فما باليته وقلت سأعتذر إليه، وقد رأيت أهل المدن يؤذون إيذاء العدوّ، ثمّ يعتذرون اعتذار الصديق.
 وأدخلت رأسي في الكوّة، فصاح السجين صياحاً أرعبني والله، شبّهته بصراخ كلب ديس على ذنبه، وأجلب الناسُ، وطفقوا يشدّون برجلي وثيابي، وأنا أرفس بقدمي رفساً لا أبالي موقعه من أجساد النّاس، والسجين اللئيم الذي أحسنت إليه يدفع برأسي ويشدّ بشعري، ولم يكن عضو من أعضائي إلا وهو مشغول، فيداي أتمسك بهما، ورجلاي أذود بهما عن نفسي، ولم أجد ما أدفع به أذاه عني إلاّ أن بصقت في وجهه، فأقبل يضربني فعضضت يده، ثمّ دنوت من وجهه فعضضت أنفه.. وكان أنفاً ذليلاً لا يزال خبث طعمه على لساني.
ثمّ أخرجوني قسراً وجبراً، وجاء مماليك السلطان فحجزوا بيني وبينهم، وأخذوا الورقة الصفراء، وأدخلوني من باب كان هناك إلى بهو واسع صحّ معه ما كنت قدرت من أن سنمة هذا سلطان البلد..ورأيت النّاس قد صفّوا كراسيهم كصفّ الصلاة، وإذا بعضهم يولي بعضاً دبره، فقلت: ما ألأمَ أهل المدن، والله ما كنت مولياً مسلماً ظهري إلا في الصلاة، وعمدت إلى الكرسي لأديره فإذا هو مثبت بمسامير من حديد، فتركته واستدرت أنا، فجلست على قفاه، وجعلوا يضحكون مني، فما ألقي لهم بالاً، حتى جاءت امرأة، فجلست قبالتي، فقلت: يا أمة الله استتري. فأقبلوا يزبرونني، وإذا هي ـ فيما قالوا ـ شاب وليس امرأة، فجعلت أعجب.
ولبثت أنتظر خروج السلطان فإذا بالمماليك يديرونني فيجلسونني من حيث يجلس النّاس، فلم أملك إلا الطاعة، وقعدت أنتظر فلم أنشب أن جاء مملوك آخر، فقدّم إليّ صفحة من خشب قد صفّ عليها فراني وشطائر وقال: تريد؟ قلت: أريد والله.. وهل يأبى الكرامة إلا اللئيم؟ وأقبلت آكل فأجد طعاماً هشّاً تحت الأسنان، حلواً في الحلق، خفيفاً على البطن، فقلت: هذه هي البقلاوة التي وصفوها لنا، وجعلت آكل فلا أشبع، وهو يقدم إلي متعجباً حتى استنفدت ما كان معه، فمسحت شفتي بيدي وقلت: الحمد لله، جزاك الله خيراً.
فظلّ واقفاً ولم يمض، فقلت: الحمد لله، لقد شبعت. قال: يَدك على الفلوس؟ قلت: ويحك ماذا تريد؟ قال: أكلت ثلاثين قطعة كلّ قطعت منها بسبعة قروش فهذه مئتان وعشرة..
قلت: قبحك الله من عبد لئيم! تأخذ من ضيوف السلطان ثمن القِرى؟
وكان ما أكلت قد شدّ ظهري فوثبت إليه ووثب إليّ، وقام النّاس، وزلزل البهو بأهله، وكادوا والله يطردونني لولا أن ظهر صاحبي فانفرد بالمملوك فأرضاه عني، وجاء فقعد معي.
وإنا لكذلك ياشيخ، وإذا بالأنوار تنطفئ، وإذا بالخيل تهجم علينا مسرعة حتى كادت والله تخالطنا. فقلت: لك الويل ياصْلَبى، ثكلتك أمّك، إنَّه الغزو فما قعودك؟ وقفزت قفزاتي في البادية، وصرخت وهجمت أدوس على أجساد النَّاس وهم يضجُّون ويصخبون، فلما كدت أبلغ الخيل اشتعلت الأنوار وفرّ العدو من خوف بطشي هارباً، وجاء عبيد السلطان ليخرجوني فردّهم عني صاحبي وكلّمهم.
فقلت: هذا والله العجز والذل، فقبّح الله من يقيم عليهما. ترون العدوّ قد خالطكم وتلبثون قعوداً؟ ما أكرهكم إليّ يا أهل المدن، ما ظننت والله إلا أنّكم ستحملون إليّ صلة السلطان على أن رددت عدوّكم وهزمته..
فضحك اللئام، وجعل صاحبي يحذِّرني العودة إلى مثلها؛ ولم ألبث حتى أطفئت الأنوار كرّة أخرى، ففزعت ونظرت فما أحسست إلا امرأة قد قبض عليها رجل خبيث يحاول أن ينال منها على مرأى منا ومسمع؛ وهي تستغيث وأنا أسمع صياحها ولا من مغيث؛ فثارت الحمية في رأسي وسللت الخنجر وأقبلت أريده، فاختفي والله كأن لم يكن هنالك من أحد. وعادت الأضواء، ورجع الصخب؛ فقلت: والله ما أقيم، وجعلت أصيح: أخرجوني.. ويلكم.. أخرجوني..
قال صْلَبى: فخرجت وقد علمت أنّ جرائدكم يا أهل المدن تنشر الفجور وتهتك ستر الله عن النّاس وتفضحهم، وأنَّ شبابكم بنات، وأنّ أمراءكم سحرة يسحرون أعين النّاس حتى يروهم ما لايُرى.. ثمّ إنّكم لا تغارون على أعراضكم ولا تبالون كشف عورات أبنائكم وبناتكم.. لا والله ما أحبكم..
وذهب مولياً عني مسرعاً يمشي بين تلك المواخير القذرة: تريانون وليدو وأولميبيا.. تلقاء سوق الحميدية والأموي حيث المدن الطاهرة الفاضلة.. حيث دمشق التي سمّاها شوقي "ظئر الإسلام"!

أعرابي في الحمام

أعرابي في الحمام


صحبنا في رحلتنا إلى الحجاز، دليل شيخ من أعراب نجد يقال له: صلَبى ما رأيت أعرابياً مثله قوةَ جَنَان، وفصاحة لسان، وشدة بيان ولولا مكان النبرة البدوية لحسبته قد انصرف الساعة من سوق عكاظ، لبيان لهجته، وقوة عارضته، وكثرة ما يدور على لسانه من فصيح الكلام. وكان أبيّ النفس، أشمّ المعطس، كريم الطباع، لكن فيه لوثة وجفاء من جفاء الأعراب، رافقنا أيام طويلة، فما شئنا خلة من خلال الخير إلا وجدناها فيه، فكان يواسينا إذا أصبنا، ويؤثرنا إذا أَضَقنا، ويدفع عنا إذا هوجمنا، ويفديّنا إذا تألمنا، على شجاعة نادرة، ونكتة حاضرة، وخفة روح، وسرعة جواب، قلنا له مرة:

- إن (صلَبة) في عرب اليوم، كباهلة في عرب الأمس، قبيلة لئيمة يأنف الكرام من الانتساب إليها، وأنت فيما علمنا سيّد كريم من سادة كرام، وليس لك في هذه القبيلة نسب؟ فما لك تدعى صلبى. فضحك وقال:
- صدقتم والله، ما أنا من صلبة، ولا صلبة مني، وإني لكريم العم والخال ولكنّ هذا الاسم نكتة أنا مخبركم بها.
قلنا: هات. قال:
- كان أبواي لا يعيش لهما ولد، فلما ولدت خشيا عليّ فسمياني صلَبى. قلنا: ائن سمياك صلَبى عشت؟ قال:
إن عزرائيل أكرم من أن يقبض روح صلَبى.
وسألناه مرة: هل أنت متزوج يا صلَبى؟ قال:
- لقد كنت متزوجاً بشرّ امرأة تزوجها رجل، فما زلت أحسن إليها وتسيء إليّ، حتى ضقت باحتمالها ذرعاً فطلقتها ثلاثاً وثلاثين.
قلنا: إنها تبين منك بثلاث، فعلام الثلاثون؟
فقال على الفور: صدقة مني على الأزواج المساكين!

وطال بنا الطريق إلى تبوك، وملّ القوم، فجعلوا يسألونه عن تبوك، ويكثرون عليه، يتذمرون من بعدها، حتى إذا كثروا قال لهم:
ما لكم تلومونني على بعدها؟ والله لم أكن أنا الذي وضعها هناك. ولم يكن صلَبي يعرف المدن، ولم يفارق الصحراء قط إلا إلى حاضرته تبوك (وتبوك لا تزيد عن خمسين بيتاً...) فلما بلغنا مشارف الشام أغريناه بالإبلاد ودخول المدينة، وجعلنا نصف إليه الشام، ونشوّقه فيأبى، وكنت صفّيه من القوم وخليله ونجيّه فجعلت أحاوره وأداوره، وبذلت في ذلك الجهد فلم أصنع معه شيئاً لما استقر في نفسه من كراهية المدن وإساءة الظن بأهلها، وكان عربياً حراً، ومسلماً موحداً، لا يطيق أن يعيش يوماً تحت حكم (الروم) أو يرى مرة مظاهر الشرك.
فودعناه وتركناه...
* * *

وعدت إلى دمشق، فانغمست في الحياة، وغصت في حمايتها أكدّ للعيش، وأسعى للكسب، فنسيت صلَبى وصُحبته، وكدت أنسى الصحراء وأيامها، ومرّت على ذلك شهور... وكان أمس فإذا بي ألمح في باب الجابية وسط الزحمة الهائلة، وجهاً أعرفه فلحقت به أتبيّنه فإذا هو وجه صلَبى، فصحت به:
- صلَبى! قال: - لا صلَبى ولا ملَبى.
قلت: ولم ويحك؟ قال: أنا في طلبك منذ ثلاث ثم لا تأتي إليّ ولا تلقاني؟
فقلت له ضاحكاً: - وأي ثلاث وأي أربع؟ أتحسبها تبوك فيها أربعمائة نسمة؟ إنها دمشق يا صلَبي، فيها أربعمائة ألف إنسان، فأين تلقاني بين أربعمائة ألف؟
قال: - صدقت والله.
قلت: هلم معي. فاستخرجته من هذه الزحمة الهائلة، وملت به إلى قهوة خالية، فجلسنا بها ودعوت له بالقهوة المرة والشاهي، فسرّ، وانطلق يحدثني قال:
- لمّا فارقتكم ورجعت وحيداً، أسير بجملي في هذه البادية الواسعة، جعلت نفسي تحدثني أن لو أجبت القوم ورأيت المدينة... فلما كان رمضان مرّ بنا بعض الحضريين فدعوني إلى صحبتهم لأرشدهم الطريق، ثم أغروني كما أغريتموني، وحاوروني كما حاورتموني حتى غلبوني على أمري ودخلوا بي دمشق، فما راعني والله يا ابن أخي إلا سيارة كبيرة كسيارتكم هذه، لكنها أهول وأضخم، لها نوافذ وفيها غرف، وقد خطوا لها خطين من حديد فهي تمشي عليهما، فأدخلوني إليها، فخشيت والله وأبيت، فأقسموا لي وطمأنوني، فدخلت ويدي على خنجري إن رأيت من أحد شيئاً أكره وجأته به، وعيني على النافذة إن رابني من السيارة أمر قفزت إلى الطريق، وجلست، فما راعنا إلا رجل بثياب عجيبة قد انشق إزاره شقاً منكراً، ثم التف على فخذيه فبدا كأنما هو بسراويل من غير إزار، وعمد إلى ردائه فصف في صدره مرايا صغيره من النحاس، ما رأيت أعجب منها، فعلمت أنه مجنون وخفت أن يؤذينا، فوضعت كفي على قبضة الخنجر، فابتسم صاحبي وقال: هو الجابي. قلت: جابي ماذا، جبّ الله (...)!
قال: اسكت، إنه جابي (الترام) أعني هذه السيارة.
ثم مدّ يده بقرشين اثنين، أعطاه بها فتاتة ورق، فما رأيت والله صفقة أخسر منها، وعجبت من بلاهة هذا الرجل إذ يشتري بقرشين ورقتين لا تنفعان وجلست لا أنبس، فلم تكن إلا هنَيّة حتى جاء رجل كالأول له هيئة قِزدية ألا أنه أجمل ثياباً، وأحسن بزّة، فأخذ هذه الأوراق فمزقها، فثارت ثائرتي، قلت: هذا والله الذل، فقّبح الله من يقيم على الذل والخسيفة، وقمت إليه فلبّبته وقلت له:
- يا اين الصانعة، أتعمد إلى شيء اشتريناه بأموالنا، ودفعنا به قروشنا فتمزقه، لأمزّقن عمرك.
وحسبت صاحبي سيدركه من الغصب لكرامته، والدفاع عن حقه مثل ما أدركني فإذا هو يضحك، ويضحك الناس ويعجبون من فعلي، لأن عمل هذا الرجل - فيما زعموا- تمزيق أوراق الناس التي اشتروها بأموالهم...
ولما نزلنا من هذه الآفة، قال لي صاحبي: هلّم إلى الحمام. فقلت: وما الحمام يا ابن أخي؟
قال: تغتسل وتلقي عنك وعثاء السفر.
قلت: إن كان هذا هو الحمام، فما لي فيه من مأرب، حسبي هذا النهر أغطس فيه فأغتسل وأتنظف.
قال: هيهات... إن الحمام لا يعدله شيء، أو ما سمعت أن الحمام نعيم الدنيا؟
قلت: لا والله ما سمعت. قال: إذن فاسمع ورَه.
وأخذني فأدخلني داراً قوراء في وسطها بركة عليها نوافير يتدفق منها الماء، فيذهب صعداً كأنه عمود من البلور ثم يتثنى ويتكسر ويهبط كأنه الألماس، له بريق يخطف الأبصار، صنعة ما حسبت أن يكون مثلها إلا في الجنان، وعلى أطراف الدار دكك كثيرة، مفروشة بالأسرة والمتكآت والزرابيّ كأنها خباء الأمير، فلم نكد نتوسطها حتى وثب إلينا أهلوها وثبة رجل واحد، يصيحون علينا صياحاً غريباً، فأدركت أنها مكيدة مدبرة، وأنهم يريدون اغتيالي، فانتضيت خنجري وقلت: والله لا يدنو مني أحد إلا قطعت رقبته، فأحجموا وعجبوا ورعبوا، وغضب صاحبي وظنني أمزح، ومال عليّ يعاتبني عتاباً شديداً. فقلت له: ويحك أو ما تراهم قد أحاطوا بنا؟ قال:
إنهم يرحبون بنا ويسلمون علينا. فسكت ودخلت. وعادوا إلى حركتهم يضحكون من هذا المزاح، ويدورون حولنا بقباقيبهم العالية، ويجيئون ويذهبون، وأنا لا أدري ما هم صانعون حتى قادونا إلى دكة من هذه الدكك، وجاءوا ينزعون ثيابنا فتحققت أنها المكيدة، وأنهم سيسلبونني خنجري حتى يهون عليهم قتلي، فقد عجزوا أن يقاتلوني وبيدي الخنجر، فأبيت وهممت بالخروج ولكن صاحبي ألحّ عليّ وأقسم لي، فأجبت واستسلمت وإن روحي لتزهق حزناً على إني ذللت هذا الذل حتى أسلمتهم سَلَبي يسلبونني وأنا حي. ولو كنت في البادية لأريتهم كيف يكون القتال... حتى إذا تمّ أمر الله ولم يبق عليّ شيء، قلت: أما من مسلم؟ أما من عربي؟ أتكشف العورات في هذا البلد فلا يغار أحد، ولا يغضب إنسان؟
فهدّأ صاحبي من ثورتي وقال: أفتغتسل وأنت متزر؟ قلت: فكيف أتكشف بعد هذه الشيبة وتذهب عني في العرب فتكون فضيحتي إلى الأبد؟
قال: من أنبأك أنك ستتكشف؟ هلا انتظرت!
فانتظرت وسكت فإذا غلام من أغلمة الحمام، يأخذ بيده إزاراً فيحجبني به حتى أنزع أزراري وأتزرّ به، فحمدت الله على النجاة، وكان صاحبي قد تعرى فأخذ بيدي وأدخلني إلى باطن الحمام، فإذا غرف وسطها غرف، وساحات تفضي إلى ساحات، ومداخل ومخارج ملتفّة متلوية، يضّل فيها الخرّيت وهي مظلمة كأنها قبر قد انعقدت فوقها قباب وعقود، فيها قوارير من زجاج تضيء كأنها النجوم اللوامع، في السماء الداجية، وفي باطن الحمام أناس عري جالسون إلى قدور من الصخر فيها ماء، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، وقلت هذه والله دار الشياطين وجعلت ألتمس آية الكرسي فلا أذكر منها شيئاً، فأيقنت أنها ستركبني الشياطين لما نسيت من آية الكرسي، وجعلت أبكي على شيبتي أن يختم لها هذه الخاتمة السيئة، وإني لكذلك، وإذا بالخبيث يعود إليّ يريد أن ينزع هذا الإزار الذي كسانيه، فصحت به: يا رجل، اتق الله، سلبتني ثيابي وسلاحي، وعدت تجردني وتعريني، الرحمة يا مسلمون، الشفقة أيها الناس! فوثب إليّ الناس، وأحدقوا بي، وجعلوا يضحكون، فقال صاحبي:
- ما هذا يا صلَبى، لا تضحك الناس علينا، أعطه الإزار. قلت: وأبقى عرياناً؟ قال: لا، ستأخذ غيره، هذا كساء يفسد إذا مسه الماء، وإن للماء كساء آخر.
ونظرت فإذا عليه هيئة الناصح، وإذا هو يدفع إليّ إزاراً آخر، فاستبدلته به مكرهاً وتبعت صاحبي إلى مقصورة من هذه المقاصير، فجلسنا علا قدر من هذه القدور... وأنا أستجير بالله لا أدري ماذا يجري عليّ، فبينما أنا كذلك وإذا برجل عار، كأنه قفص عظام، له لحية كثة، وشكل مخيف وقد تأبط ليفاً غليظاً يا شرّ ما تأبط، وحمل ماعوناً كبيراً، يفور فوراناً، فاسترجعت وعلمت أنه السمّ وأنه سيتناثر منه لحمي، فقصد إليّ، فجعلت أفرّ منه وأتوثب من جانب إلى جانب وهو يلحقني ويعجب من فعلي، ويظن أني أداعبه، وصاحبي يضحك ويقسم لي أنه الصابون، وأنه لا ينظف شيء مثله.
قلت: ألا شيء من سدر! ألا قليل من أشنان؟
قال: والله ما أغشك، فجرب هذا إنه خير منه.
فاستجبت واستكنت، وأقبل الرجل يدلكني دلكاً شديداً وأنا أنظر هل تساقط لحمي، هل تناثر جلدي، فلا أجد إلا خيراً فأزمعت شكره لولا أني وجدته يتغفلني فيمد يده تحت الإزار إلى فخذي، فيدلكه ويقرصه، فقلت: هذا ماجن خبيث، ولو ترك من شره أحد لتركني، ولصرفته عني شيبتي، وهممت بهشم أنفه وهتم أسنانه، ولحظ ذلك صاحبي فهمس في أذني أنه ينظفك وكذلك يصنع مع الناس كلهم، فلما انتهى وصب عليّ الماء، شعرت والله كأنما نشطت من عقال، وأحسست الزهو والخفة، فصحت فأنكرت صوتي فقلت: ما هذا، أينطق لساني مغنٍ, من الجن؟ وأعدت الصيحة فازددت لصوتي إنكاراً. واستخفني الطرب، فجعلت أغني وأحدو، فقال صاحبي: لعلك استطبت صوتك؟
قلت: أي والله. قال: أفأدلك على باب القاضي؟
قلت: وما أصنع في باب القاضي؟ قال: ألا تعرف قصة جحا؟
قلت: لا والله، ما أعرف جحا ولا قصته.
قال: كان جحا عالماً نحريراً، وأستاذاً كبيراً، لكن كان فيه فضائل نادرة، وكان خفيف الروح، فدخل الحمام مرة فغنى فأعجبه صوته -وكان أقبح رجل صوتاً- وراقه حسنه، فخرج من فوره إلى القاضي، فسأله أن ينصبه مؤذناً وزعم أن له صوتاً لا يدخل أذناً إلاّ حمل صاحبها حملاً فوضعه في المسجد... فقال القاضي: اصعد المنارة فأذن نسمع.
فلما صعد فأذّن، لم يبق في المسجد رجل إلا فر هارباً. فقال له القاضي: أي صوت هذا، هذا الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب.
قال: أصلح الله القاضي، ما يمنعك أن تبني لي فوق المئذنة حماماً؟!.


ولمح الأعرابي صديقاً له من أعراب نجد، قد مرّ من أمام القهوة، فقطع عليّ الحديث وخرج مهرولاً يلحق به.