ميسور...الجغرافية والتاريخ
مصطفى الحسناوي
تمهيد
كنا نحن شبان مدينة ميسور، عندما نقصد إحدى مناطق المغرب ومدنه، للدراسة أو العمل أو السياحة، نفاجأ بجهل من نلقاه لمنطقتنا، بل لموقعها على الخريطة، فيحاول الواحد منا جاهدا تقريب الجهة والموقع لهذا المتسائل، دون جدوى.
ومن الطرائف أنني كنت وصديق لي، مرة من المرات، في زيارة لمدينة أصيلة، فسألنا أحدهم عن موقع مدينتا، فأجابه رفيقي، أنها تقع قرب وجدة، فقلت لصاحبي لما لم تقل له قرب الرباط، فبدت علامات الاستغراب على وجهه، وبادرته قاطعا عليه استغرابه، أن المسافة بين ميسور و وجدة، تقارب المسافة بين ميسور والرباط. كنت أعرف أنه فقط يحاول وضع السائل في الصورة، وتحديد وجهة هذه المدينة المجهولة، وكان هذا ديدني أيضا، وديدن كثير من رفاقي، نحاول أن نلتصق بمعلمة أو حدث، أو شخصية معروفة، أو حتى كارثة، لنرفع عن أنفسنا ومدينتا صفة الجهالة، وإبعاد شبح التهميش والتجاهل.
وقد دفعني هذا الشعور، لتسجيل كل ما يرمز لمدينتي أو يذكر بها أو يشير إليها، من قريب أو بعيد، فتحصل لدي عدد لا بأس به من قصاصات الجرائد والمجلات والكتب، والصور والخرائط، ومذكرة تحوي أسماء الشوارع والمقاهي والمطاعم، التي سميت باسم مدينة ميسور، في شتى المدن التي زرتها، على طول البلاد وعرضها. ثم ضاعت مني أغلب تلك المعلومات، فكانت بحق خسارة فادحة لأرشيفي الخاص.
وقد عزمت على تدوين ما تبقى لدي من معلومات، في موضوع متناسق، حفاظا عليها من الضياع، وخدمة لهذه المدينة، وإشراكا مني للقراء، في الاطلاع على ما قد يخفى عليهم، من تاريخ وجغرافية بقعة منسية، من بقاع هذا البلد الحبيب. وقد اعتمدت في هذا الموضوع على ما تبقى لدي من قصاصات، بالإضافة للمراجع التالية:
معلمة المغرب، ( موسوعة)
الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، أحمد الناصري.
إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس، ابن زيدان.
السلفية الوهابية بالمغرب، مخلص السبتي.
دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر، ابن عسكر.
الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر، عبد الله الفاسي.
إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع، عبد السلام بن عبد القادر بن سودة.
نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، محمد بن الطيب القادري.
التعرف على المغرب، شارل دوفوكو.
وقبل البدء، أنبه أنه بجنوب الهند، مدينة تدعى ميسور، هي مدينة صغيرة سياحية رائعة وساحرة، من أهم معالمها قصر ميسور العظيم، الذي بناه الملك المسلم، تيبو سلطان، عام 1897.
كذلك توجد وسط الولايات المتحدة الأمريكية، ولاية تدعى ميسوري، وتقطنها جالية عربية تفوق 4000، شخص. ويخترقها نهر الميسوري من الغرب إلى الشرق.
التسمية
ميسور، اسم تطور عبر التاريخ، وقد لعبت ظروف طبيعية وأحداث تاريخية واقتصادية دورا مهما في هذا التطور.
فميسور في اللغة، تحيل إلى الوفرة والكثرة. واستنادا إلى أن حياة الترحال كانت نشاطا سائدا في المنطقة، فقد يكون لوجود الماء بوفرة في المنطقة، علاقة بالاسم.
وأيضا تنسب روايات ومصادر تاريخية الاسم، لأعلام تسموا بهذا الاسم، أو قريب منه.
لكنها روايات تحتاج إلى تدقيق وتمحيص، كالقول بأن أصل اسم المدينة بربري، نسبة إلى أحد البرابرة السبع الذين توجهوا لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، واسمه "يعلى بن واطن بن مسكر".
أو إلى "ميسرة المدغري"، الذي طوع بلاد ملوية خلال القرن الثاني الهجري، وكان أحد رواد الخوارج الصفرية.
أو إلى "ميسور الخصي"، القائد العسكري خلال الحكم الفاطمي بالغرب الإسلامي، في القرن الرابع الهجري، وأستسمح القراء في الوقوف قليلا مع هذا القائد.
لما تراجعت الدولة الإدريسية وضعفت وانكمشت. أصبح المغرب ساحة صراع بين الفرع المرواني للخلافة الأموية، وبين الدولة العبيدية الشيعية، فقد كان مدين بن موسى بن أبي العافية واليا على فاس، ثم دخلها حميد بن يصليتن، الموالي للعبيديين الشيعة، وعين عليها حامد بن حمدان، ثم ثار عليه أحمد بن بكر بن عبد الرحمن الجذامي، وقتله وعادت السيطرة إلى بني مروان، إلى أن أرسل العبيديون قائدهم العسكري، "ميسور" لحصار فاس.
وقد أورد الناصري في الاستقصا 1/245، أنه: "لما اتصل الخبر بصاحب إفريقية أبي القاسم بن عبيد الله المهدي، سرح قائده ميسور الخصي، إلى الغرب، فقدمه ميسور سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة...وتقدم ميسور إلى فاس فحاصرها أياما إلى أن خرج، إليه أحمد بن بكر الجذامي مبايعا، وقدم بين يديه هدية نفيسة ومالا جليلا، فقبض ميسور الهدية والمال... ولما أحس أهل فاس بغدره، امتنعوا عليه وأغلقوا أبوابهم دونه... فحاصرهم ميسور سبعة أشهر، ولما طال عليهم الحصار رغبوا في السلم فصالحهم... فقبل ميسور ذلك منهم... لما صالح ميسور أهل فاس نهض إلى حرب ابن أبي العافية، فدارت حروب كان الظهور في آخرها لميسور... وطرد موسى بن أبي العافية، إلى نواحي ملوية وأوطاط وما وراءها من بلاد الصحراء ثم قفل إلى القيروان.
قال ابن أبي زرع في كتاب القرطاس: "أن بني إدريس تولوا معظم الحروب التي دارت بين ميسور وبين أبي العافية، وإنهم قاتلوا ابن أبي العافية حتى فر أمامهم إلى الصحراء... فلم يزل ابن أبي العافية شريدا في الصحراء وأطراف البلاد التي بقيت بيده، وذلك من مدينة آكرسيف إلى مدينة نكور، إلى أن قتل ببعض بلاد ملوية، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة".
كان هذا عن أصل التسمية، أما عن تأسيس المدينة، فإن ذلك راجع لعشرينيات القرن الماضي على يد المعمرين.
التأسيس والتوسع
لنلق نظرة خاطفة عن ميسور قبل المرحلة الاستعمارية، أي نهاية القرن 19، يذكر الجاسوس والمنصر شارل دوفوكو، "أن ميسور لم تكن خاضعة للدولة المغربية، وكانت تسير شؤونها بنفسها"، وفق نظام قبلي ضم عددا من القصور والدواوير والقصبات، التي اتخذت من بطن وادي ملوية وروافده مستقرا ومقاما لها، وكان تعداد ساكنة هذه القصور حوالي 6000 نسمة، اتخذت من المجال السهبي فضاءً مخصصا للرعي الترحالي.
بعد استيلاء المستعمر على التخوم الشرقية للمغرب، وبعد إنشاء عين بني مطهر سنة 1904، تم إرسال جنود فرنسيين قصد التعرف على المناطق السهبية لملوية، ما بين 1905-1906، وبعد الاستيلاء على القصابي التي كانت تعرف بقصبة المخزن، سنة 1918، تم إنشاء مراكز عسكرية بكل من عين الكطارة جنوب ميسور، وأوطاط الحاج، وميسور، وبعد الاستيلاء على المنطقة اختار المعمرون مكانا استراتيجيا لبناء نواة المدينة، فجاء الموقع متوسطا المسافة بين أهم قصور المنطقة، إيكلي شرقا وأولاد بوطاهر غربا، فوق مكان يقع على الضفة اليسرى لوادي ملوية، قصد تسهيل عملية التحكم والمراقبة، فتم بناء ثلاث ثكنات تضم أربعة فيالق عسكرية، وحيا عسكريا، ومرافق إدارية، ومستوصف، وفندقين، وحانة، وكنيسة، ومسبح، وقاعة سينما، وملعب لكرة القدم، ومطار عسكري، ومحطة للقطار الذي كان يربط ميدلت بكرسيف، لنقل الجنود والعتاد، وغيرها من المرافق، التي أنشئت وفق أهداف واستراتيجية وتخطيط احتوائي استعماري، حيث فرض نمط من العيش على واحة بثقافتها وتقاليدها المتوارثة، وأقحمت هذه المدينة المصطنعة بين القصور والقصبات، كمعسكر للاستعمار الفرنسي لأغراض سياسة واستراتيجية.
وقد نفي إليها الشيخ محمد بن العربي العلوي، فعلى إثر مواقفه البطولية ضد الاستعمار وأتباعه، قررت فرنسا نفيه إلى قرية القصابي ثم إلى مركز ميسور.
ثم فرض على الأهالي أن يتعايشوا مع جالية فرنسية مهمة، تكونت من الأطر الإدارية والضباط، كما كانت هناك جالية يهودية، قدرت سنة 1947 ب 762 نسمة، وفرض على الأهالي أن يخدموا المعمرين، حيث اقتيدوا قهرا للعمل بأوراش البناء، أو الانخراط في سلك "المخزن".
عشر سنوات بعد الاستقلال، عاشت المدينة ركودا سكانيا وعمرانيا، حيث عرفت طوال هذه العشر سنوات، هجرة مكثفة للمعمرين، وللجالية اليهودية التي كانت ملتصقة بهم، ووفدت معهم، وهكذا ففي الوقت الذي كان عدد السكان سنة 1951، 1208 نسمة، لم يتجاوز سنة 1960، 1350 نسمة، أي بزيادة 140 نسمة خلال عشر سنوات. وفي العشرية الثانية، أي بعد 1966، هاجر ما تبقى من اليهود نحو إسرائيل، فأقبل الميسورون من الميسوريين، على شراء المنازل والمحال التجارية التي كانت في ملك اليهود، وفي هذه الفترة تم توسيع المدينة بزيادة حيين:
الأول: حي "البام" وهو حي عصري أنشئ شرق المدينة، بمساعدة البرنامج العالمي للأغذية.
الثاني: "خرمجيون" أنشئ بطريقة عشوائية، شمال المدينة، وعرف إقبالا كبيرا نظرا لسهولة الحصول على بقعة أرضية، إما استحواذا عليها بالقوة، أو اقتنائها بأثمنة زهيدة، وأيضا بدون رخص للبناء، فسكنته فئات فقيرة من الرعاة والمتقاعدين. ويطلق عليه حاليا "حي سيدي بوطيب"، (ولنا وقفة مع هذه الشخصية في الأسطر المقبلة).
خلال منتصف السبعينات، تم إنشاء إقليم بولمان في 23 أبريل 1975، وانتقلت المدينة من مجرد تجمع سكاني يحوي حوالي 2000نسمة، إلى عاصمة إدارية للإقليم، تضم عدة مرافق إدارية واجتماعية، وتجهيزات صحية.
وانتقل عدد السكان سنة 1982، إلى 5055 نسمة، ثم قفز سنة 1994إلى 13000 نسمة، بسبب إحداث بلدية ميسور سنة 1992، على إثر التقطيع الانتخابي لهذه السنة، فتوسع المدار الحضاري ليبتلع أحد الدواوير المهمة، هو دوار إيكلي، وفي سنة 1998، بلغ عدد السكان 14000 نسمة، وكانت المدينة تنتشر على بقعة مساحتها 350 هكتار (18 كلم مربع)، وهي حاليا تفوق 26000 نسمة.
الاقتصاد والخدمات
وقد أدى هذا التزايد والنزوح المكثف للسكان، إلى حركية عمرانية، حيث أنشئ بعد الحيين المذكورين سابقا، أحياء أخرى، كالحي الإداري وحي السلام وحي القدس، واكتسحت التجزئات المجال الأخضر شرق المدينة، وأيضا الأراضي الزراعية بكل من إيكلي وتاغزوت، وظهرت بالضواحي عدة أحياء هامشية عشوائية، كدوار المراير، ودوار الزاوش، ودوار حميدو، حيث اعتبرت هاته البؤر ملاذا وملجأ لفئات تعيش تحت مستوى الفقر، من رعاة وحمالين، ومطلقات، وأرامل، وغيرهم، ممن نزح من السهوب المحيطة بالمدينة، فرارا من جفاف أو كارثة من الكوارث.
كما عرف هذا التزايد السكاني، تكاثر المصالح الإدارية والاجتماعية والخدماتية وغيرها، وتكثيف شبكة المواصلات بين ميسور وباقي مدن المغرب، وأيضا تطور السوق الأسبوعي للمدينة، حيث لم يعد مقتصرا على يوم واحد، بل يومين في الأسبوع، والسوق الأسبوعي في المدينة قديم قدم المدينة، فقد أنشأه المعمرون الذين عمدوا لأسواق القصور والدواوير، وجعلوا لها يوما واحدا هو يوم الأربعاء (وهو اليوم الذي بقي مستمرا العمل به لحد الساعة)، تجتمع في مركز المدينة، قرب ثكنة عسكرية استعمارية، وبعد الاستقلال تم نقله مرات عديدة من مكانه. ويعتبر حاليا من بين الأسواق الكبرى للأغنام بالمغرب الشرقي والأطلس المتوسط، والسوق الأسبوعي مناسبة للفلاحين البسطاء بالدواوير لترويج بضاعتهم المزجاة من منتوج لا يسد الرمق، وكذلك قبلة لترويج المواد المهربة من الشمال، عدا هذه الأنشطة فإن الركود هو السمة المسيطرة على هذه المدينة.
الأعلام
وعن أعلام المنطقة، (ذكرت كل من سمي أو عرف بالميسوري، دون تحقق مما إذا كان من أبناء المنطقة أو ممن سكنها، أو مر بها فقط) نذكر من بينهم حسب التسلسل الزمني:
*
اليحياوي بن يحيى بن أبي القاسم، المعروف بسيدي بوطيب. أحد رجالات الفضل والصلاح بملوية الوسطى، فر من السلطان أحمد المنصور السعدي، ونزل أولا بأوطاط الحاج، ثم استقر بميسور وأسس زاويته بها في موضع يقع بين وادي ملوية ووادي شف شرق، وقامت زاويته بأدوار عدة في المنطقة كتعليم الناس، وإطعام المارة، وإيواء وحماية الضعيف، والفصل في النزاعات القبلية حول الأراضي والمراعي ومياه السقي. توفي رحمه الله في ربيع الأول سنة 988ه ودفن بميسور.
*
الطيب الميسوري، أخذ العلم عن جماعة من الأعيان، وله تآليف عديدة، في فنون عدة، وشرع في عدة كتب، مات قبل أن يتمها، منها كتاب مرآة المحاسن، ومنها شرح على قصيدة كعب بن زهير، وشرح على دلائل الخيرات، وشرح على الشفا، وغير ذلك. وله قصائد كثيرة. توفي سنة 1052ه.
*
أحمد الميسوري، صوفي، توفي بفاس ودفن بضريح مسعود الدراوي، سنة 1095ه.
*
محمد بن عيسى الميسوري، عالم مقرئ مدرس، من ميسور، درس النحو والبيان والمنطق والكلام والتوقيت والقراءة والفقه، بمدرسة الوادي ومدرسة الصهريج بفاس. وتخرج على يديه كثير من العلماء بها. توفي رحمه الله قرب مدينة وجدة، سنة 1737م 1150ه.
*
محمد بن الطاهر العلوي، من شرفاء بوسلام، أحد قصور ملوية، فقيه، علامة، مشارك، نقاد، مدرس، فريد عصره وأعجوبة دهره، محقق إمام في سائر الفنون عقليها ونقليها، ماهر في التفسير والحديث وعلوم العربية، استوزره إمام وقته مولاي عبد الرحمن ونوه به، رحل إلى فاس واستوطنها، ثم استوطن مكناس، توفي بمراكش منتصف جمادى الأولى 1248ه، ودفن بضريح مولاي علي الشريف.
*
أحمد الغوان الميسوري، صوفي، توفي 1270ه، ودفن بباب الحمرا، داخل باب فتوح.



